السبت، 12 سبتمبر 2009

إشكالية تعريف المضايق الدولية بين الفقه والقضاء الدوليين

إشكالية تعريف المضايق الدولية بين الفقه والقضاء الدوليين


عبد الحق دهبي

saharadahbi@yahoo.fr

2006 / 6 / 14



إذا كانت المضايق الدولية عبارة عن فتحات طبيعية ضيقة تصل بين بحرين أو مساحتين بحريتين، ويتجاوز اتساعها ضعف عرض البحر الإقلـيمي، فإن الفقه الدولي قد اختلف في تحديد تعـريف دقيق لها (الفقرة الأولى)، كما أن الـقضاء الدولي أسهـم بـدوره فـي صياغة تعريف للـمضيق الدولي (الفقرة الثانية).



الفقرة الأولى : تعريف المضايق الدولية حسب الفقه الدولي :

اتجه الفقه الدولي في تعريفه للمضيق الدولي اتجاهين رئيسيين هما : التعريف الجغرافي والتعريف الغائي أو الوظيفي، لكن لكي يتسنى تقديم تعريف دقيق جامع مانع ينطبق على جميع المضايق الدولية من وجهة نظر القانون الدولي لابد من الاعتماد على جملة معايير في آن واحد تؤدي بمجموعها إلى تطبيق نظام قانوني معين، وهذه المعايير هي : المعيار الجغرافي، المعيار الغائي أو الوظيفي ثم المعيار القانوني.

أولا : المدلول الجغرافي :

يرتبط التعريف الفقهي للمضايق الدولية بالتعريف الجغرافي أحيانا، فالمضيق من الناحية الجغرافية عبارة عن مياه تفصل إقليمين وتصل بحرين، لذلك فانه يشترط للاتصاف بوصف المضيق من الناحية الجغرافية عدة شروط أهمها :

الأول : أن تكون مياه المضيق جزءا من البحر وفقا لمفهوم القانون الدولي.

الثاني : أن يتم تكوينه بطريقة طبـيعية، ومن ثم تخرج عن مـفهوم المضايق القنوات التي يحفرها الإنسان ، وقد تكون مياه تفصل بين إقليمين وتصل بحرين كحالة قناة السويس.

الثالث : أن تكون فتحة المضيق بين منطقتين من الأرض ويصل منطقتين من البحر، بحيث لو لم يوجد المضيق لانفصلت المنطقتان البحريتان واتصلت الأرض.

ولكن يجب أن نلاحظ أن تعريف المضيق بالمعنى الجغرافي السابق غير كاف لأنه ليس كل مضيق جغرافي هو بمثابة مضيق دولي لزوما.

وقد أضاف الفقيه الفرنسي «شارل روسو – Charles ROUSSEAU» شرطا آخر مؤداه عدم خضوع المضيق لنظام خاص يحكمه ، معتبرا أن المضايق من وجهة النظر الجغرافية هي كل ممرات بحرية محصورة بين جزئين من الأرض، مهما كانت التسميات المستعملة : مضايق، ممرات، قنوات، مجاري مائية (étroit , passage maritime , canaux, pertuis, sound)...

أما الفقيه « ر. ج. ديـبـوي – René-Jean DUPUY » فقد اعتبر انه يمكن تعريف المضيق الدولي بأنه ممر بحري محصور بين جزئين من الأرض مهما كانت طبيعة هذه الأرض ومهما كانت سعة هذا الممر المائي ومهما كانت تسميته .

ويرى الفقيه الفرنسي « جيلبير جيديل Gilbert GIDEL » أن المضيق من الناحية الجغرافية هو ممر بحري محصور بين جزئين من الأرض مهما كانت طبيعة هذه الأرض ومهما كانت سعة هذا الممر المائي، موضحا أن المضيق من الناحية القانونية هو كل ممر طبيعي بين ساحلين لا يتجاوز عرضا معينا، ويسمح بالاتصال بين جزئين من المجالات البحرية، ومن غير المهم أن تعود هذه المجالات إلى بحر واحد أو بحرين، ولا يهم أيضا إذا كان الممر قائما بين جزيرة وإقليم أو بين جزيرتين أو مجموعة من الجزر.

وقد لقي هذا التعريف ترحابا من قبل العديد من الفقهاء العرب، حيث عرفها الأستاذ محمد حافظ غانم بأنها "عبارة عن فتحات طبيعية تصل بين بحرين" ، وسار في نفس الاتجاه الأستاذ علي صادق أبوهيف مؤكدًا بأن "الممرات البحرية هي تلك الفتحات التي توصل بحرين، وهي إما طبيعية وتشمل المضايق والبواغيز، وإما صناعية وتشمل القنوات" .

وعرفها الأستاذ عبد العزيز محمد سرحان بأنها " الفتحات الطبيعية التي لا يتجاوز اتساعها عرض البحر الإقليمي والتي تصل بحرين "، وفي نفس الاتجاه أكد الأستاذ محمد طلعت الغنيمي بأنها " مياه تفصل إقليمين وتصل بحرين " وأن " الممر المائي لا يكون مضيقا في القانون الدولي إذا توافرت له الأوصاف الجغرافية للمضيق فحسب، بل يجب إلى جانب ذلك أن يكون ممر المواصلات الدولية غير المتجهة إلى موانئ على شواطئ ذلك المضيق " .

وقـد ذهب هـذا المذهب كل من « ايريك برول Eric BRUEL » الـذي اعتبر أن المضايق هي تقلصات ذات عرض محدود في البحر بين أرضين تـربط بين بحرين لولاها لفصلتهما الأرض فـي ذلك المكان، و« ماركاريت وايتمان Margaret M. Whiteman » . فيما حصرها الأستاذ « رولان جاكمن Rollin JAEQUEMYNS » في تقريره المقدم إلى اللجنة الرابعة لمعهد القانون الدولي في دورته الاستثنائية المنعقدة بباريس سنة 1919 في كونها فقط تلك الممرات البحرية الطبيعية التي تؤدي إلى بحر حر أو بالأحرى بحرين حرين .

ويضيف بعض الفقهاء إلى المضيق صفة لابد من توافرها وهي أن يستخدم للملاحة الدولية عادة، وعلى ذلك يرى الفقيه « كافاريه Louis CAVARE » أن المـضيق له صفة جوهرية في أنه يصل بين جزئين من أعالي البحر وأن يكون مستعملا للملاحة الدولية.

في ضوء تلك الإضافة الفقهية يستبعد من مفهوم المضايق تلك التي تؤدي إلى بحر داخلي مغلق فالجوهري صفة الوصل بين بحرين عامين والاستعمال للملاحة الدولية .

لذا، يمكن أن نؤكد بأن التعريف الجغرافي للمضيق الدولي لا يتفق بالضرورة مع تعريفه القانوني، فالمضيق الدولي في الاصطلاح الجغرافي يقصد به ممر مائي يصل بين بحرين ويفصل بين جزئين من اليابسة، في حين أن مفهوم المضيق الدولي في الاصطلاح القانوني ينصرف إلى كل ممر مائي طبيعي ضيق يستخدم في الملاحة الدولية، ويصل بين جزئين من أعالي البحار.

وعلى ذلك، يمكن أن نستخلص من هذا التعريف، عناصر المضيق الدولي وهي :

-1 أن يكون قد تكون بطريق طبيعية، مما يعني أن الممرات التي صنعها الإنسان، كما هو الشأن بالنسبة للقنوات الدولية، لا تدخل في عداد المضايق .

-2 أن يكون ضيقا، لا يزيد اتساعه على ضعف اتساع البحر الإقليمي.

-3 أن يكون موصلا بين جزئين من أعالي البحار، ولا يهم بعد ذلك أن تطل عليه دولة واحدة أو أكثر.

-4 أن يكون مستخدما في الملاحة الدولية لجميع سفن دول العالم، ويتحقق هذا الشرط بصرف النظر عن كثافة الملاحة في المضيق أو مدى أهميته للملاحة، أي دون الاعتداد في ذلك بما إذا كان المضيق يشكل طريقا إجباريا يتعين اجتيازه أم انه توجد طرق أخرى يمكن استعمالها للمرور بدلا منه .



هذا، وجمعت محكمة العدل الدولية - كما سوف نرى في الفقرة الموالية - بين العنصرين الأخيرين – الثالث والرابع – في تعريف المضيق الدولي، وذلك عند نظرها في قضية مضيق كورفو بين بريطانيا وألبانيا ، حيث قررت المحكمة انه بالنسبة للمضايق التي تصل بين جزئين من أعالي البحار والمستخدمة في الملاحة الدولية يكون لجميع السفن بما فيها السفن الحربية الأجنبية الحق في ممارسة المرور البريء عبر تلك المضايق في وقت السلم دون ما حاجة إلى إذن مسبق من الدولة الساحلية .

وتنقسم المضايق الدولية من وجهة النظر الجغرافية إلى صنفين : الأولى تصل بين بحر عالي وبحر داخلي، كمضيق "كرتش" الذي يصل بين البحر الأسود وبحر أزوف. والثانية تصل بين جزئين من البحار العالية مثل مضيق ماجلان الذي يصل بين المحيط الهادي والمحيط الأطلسي، ومضيق جبل طارق الذي يصل بين المحيط الأطلسي والبحر الأحمر المتوسط.

ومما تقدم، نخلص إلى أن أهم ما يميز المضيق جغرافيا هو انه ممر طبيعي، لذا فهو يختلف في طبيعته عن القنوات التي تمثل ممرات صناعية، ويتميز المضيق كذلك بطبيعة المياه التي يصل بينها، إذ انه يصل بين بحر عال وبحر عال آخر أو بين بحر عال وبحر إقليمي.



ثانيا : المدلول القانوني :

يقضي المعيار القانوني في تعريف المضيق الدولي بأن يكون هذا الممر البحري محدود الاتساع أي أن لا يزيد اتساع هذا المضيق عن ضعف مساحة البحر الإقليمي للدولة أو الدول المطلة عليه، فالمضيق الذي يزيد اتساعه عن ذلك ويتوافر فيه شريط من البحر العالي على امتداده لا يعتبر من المضايق ولا ينطبق عليه نظامها، وإنما ينطبق عليه نظام البحر العالي، شريطة أن يكون ذلك الشريط صالحا للملاحة الاعتيادية الأمينة بكامله وبالخصائص الملاحية والهيدروغرافية نفسها .

وبطبيعة الحال فإن المفهوم الجغرافي للمضيق لا يتطابق بالضرورة مع مفهومه القانوني، فتحديد طبيعة المياه التي يتكون منها المضيق أو تلك التي يربط بينها أمر ضروري لتحديد صفته، إذ يجب ألا يزيد عرض المضيق عن ضعف عرض البحر الإقليمي للدولة أو الدول المطلة عليه. فالمضيق الذي يزيد اتساعه عن ذلك العرض ويتوافر فيه جزء من البحر العالي على امتداده لا يعتبر من المضايق، ولا ينطبق عليه نظامها، وإنما ينطبق عليه نظام البحر العالي شرط أن يكون ذلك الجزء صالحا للملاحة الاعتيادية الأمينة.

وقد لا يكون هذا الجزء من المضيق صالحا لأسباب ملاحية، مما يضطر الملاحة مؤقتا أو بصورة دائمة إلى المرور عبر البحر الإقليمي كما هو الشأن بالنسبة لمضيق « الحزام الكبير Grand Belt »، وقـد يكون ذلك لأسباب سياسية أو عسكرية مما يضطر السفن إلـى استعمال مياه البحر الإقليمي للمضيق. لذلك لا يمكن استبعاد هذا النوع من المضايق بصورة مسبقة من وصف المضايق إلا إذا زالت جميع تلك الأسباب والموانع.

ولا يشترط لكي يكون المضيق كذلك أن يكون مغطى بالبحار الإقليمية على امتداده، بل يكفي أن يكون كذلك في بعض نقاطه، وكل ذلك يرتبط بعرض البحار الإقليمية للدول المطلة عليه.

وقد تقرر في مؤتمر تقنين القانون الدولي في لاهاي سنة 1930 أن المضيق الذي يزيد عرضه عن ضعف عرض البحر الإقليمي، ويتوافر فيه قطاع من البحر العالي يكون فيه ذلك القطاع متاحا للملاحة الدولية. إلا أن هناك استثناء لتلك الحال فيما إذا كان مدخل المضيق، أو أي نقطة فيه أقل من ضعف عرض البحر الإقليمي، وتوافر قطاع من البحر العالي في مكان آخر منه، وهنا ينبغي استخدام هذا القطاع لأغراض الملاحة ضمن البحر الإقليمي للدول المعنية.

ونظرا لأهمية هذه الفكرة، فقد طبقتها بعض الدول من الناحية العملية، فحددت حدود البحرين الإقليميين للولايات المتحدة وكندا مثلا بثلاثة أميال في مضيق « خوان دوفوكا Juan de Fuca » الذي يصل عرضه في بعض المناطق إلى 150 ميلا. وهذا ما فعلته الشيلي أثناء الحرب العالمية الأولى بالنسبة لمضيق ماجلان لغرض الدفاع عن حيادها، وذلك بموجب المرسوم الصادر في 15 دجنبر 1914.

وقد أخذ بعض رجال الفقه الدولي على اختلاف مرجعياتهم بهذا المفهوم لتعريف المضيق الدولي، فيـرى في هـذا الإطار الأستاذ « أوبـنـهـايـم Francis Oppenheim » أن المقصود بالمضيق الذي تنطبق عليه قواعد القانون الدولي، المضيق المكون من البحار الإقليمية ويصل بين جزئين من أعالي البحار، وقد أخذ « كـولـومبس John Colombos » كذلك بهذا المفهوم. وتبنى التعريف نفسه تقريبا الفقيهان « زاهـوفـيج و بـيـشـوب M. Sahovic and W.W.Bishop » .

ثالثا : المدلول الغائي أو الوظيفي :

قد لا يكفي الاعتماد على المعيار الجغرافي أو القانوني أوكليهما معا لتعريف المضيق، ولا بد من إضافة معيار ثالث هو المعيار الغائي أو الوظيفي الذي يعتمد على استخدام المضيق للملاحة الدولية بصرف النظر عن كثافة أو أهمية تلك الملاحة. لذا يذهب الفقه إلى تعريف المضيق وفقا لهذا المعيار باعتباره ممرا مائيا ضيقا يستخدم للملاحة الدولية بين جزئين من المجالات البحرية، ويشترط فيه أن يكون مستخدما في الملاحة الدولية « Used for international navigation » بصرف النظر عن كثافة أو أهمية تلك الملاحة، وبغض النظر كذلك عن طبيعة الأرض التي يقع فيها المضيق، ومهما كانت البحار التي يصل بينها، ومهما كان الاسم الذي يطلق عليه، إذ أن المضايق التي تصل بين جزئين من البحار ولا تستخدم في الملاحة الدولية لا يمكن أن توصف بالمضايق الدولية، لأنها تستخدم للملاحة الداخلية أو الوطنية لدولة أو دول معينة بالذات.

إلا أن تحديد درجة الاستعمال الكافية لاعتبار مضيق ما مضيقا دوليا قضية معقدة تحتاج إلى استعمال عدة معايير لمعرفتها، ويرى الفقيه الدنمركي « ايـريك بـرول Eric BRUEL » أن أهمية المضيق للتجارة البحرية الدولية بمعناه الواسع للسفن التجارية والسفن الحربية هو العامل الحاسم في هذا الخصوص، ولكن مقدار سعة وعمق هذه المصالح لا يمكن أن يحدد بأي قاعدة، جامدة أو مرنة وحدها. فهي قضية واقع يعتمد على عدد من الحقائق كعدد السفن المارة في المضيق، حمولتها الكلية، قيمة هذه الحمولة ومعدل حجم السفن خاصة إذا كانت موزعة على عدد كبير أو صغير من الأمم، كل ذلك أدلة مجتمعة دون أن يكون أحدها عاملا حاسما وحده . وهكذا ينتهي هذا الفقيه إلى القول بأنه لا يجب أن نطلق صفة المضيق الدولي إلا على تلك المضايق التي تحتل أهمية معتبرة في التجارة الدولية البحرية، وعلى حد تعبيره فانه لكي نصف المضيق بالصفة الدولية فان ذلك يعني أن المصلحة المتصلة بالمضيق مصلحة ذات طابع دولي واسع، وهو يقرر كذلك أن عدد المضايق التي تحوز هذه الصفة محدود.

وقد حاول بعض رجال الفقه الدولي المزج بين معيارين أو أكثر من المعايير السابقة لوضع تعريف للمضايق يكون أشمل في معناه من التعاريف التي وردت في كتابات فقهاء آخرين ممن أشرنا إلى بعضهم، فقد اعتمد الفقيه « كـافـاريه Louis CAVARE » تعريف يتكون من عنصرين أساسيين، أولهما أن يصل المضيق بين جزئين من البحر العالي، والثاني أن يستخدم للملاحة الدولية .

أما الفقيه « فـارانـد Donalt PHARAND » فقد اعتمد ثلاثة معايير، وعرف المضيق بأنه "ممر طبيعي ضيق بين أرضين يكون بعرض لا يتجاوز 12 ميلا بحريا، ويربط جزئين من البحار العالية ببحر إقليمي لدولة أجنبية، ويستخدم للملاحة الدولية"، وقد بين أن مقدار الاستخدام المذكور يتحدد بالرجوع إلى عاملين هما عدد السفن المستخدمة للمضيق وعدد الدول المستخدمة له .

رأينا الخاص :

تبعا لما سبق بيانه، يتضح أن التعريفات هاته، وان كثرت فإنها لا تختلف إلا في بعض ألفاظها، أما مدلولاتها فإنها متقاربة، الشيء الذي يمكن معه إبداء الملاحظات التالية :

- الاتجاه القانوني كان متأثرا بالمبدأ القديم للبحر الإقليمي الذي كان مداه في السابق لا يتعدى ثلاثة أميال بحرية، ولذلك كانت هناك مجالات بحرية تعتبر من البحر العالي سواء في المضايق أم في البحار التي تصل بينها.

- اتساع مدى البحر الإقليمي حول بعض المجالات البحرية التي كانت تعتبر بحرا عاليا بحرا إقليميا، لذلك فان هذا الاتجاه أصبح لا يتلاءم مع التطور الحاصل.

- يؤخذ على الاتجاه الجغرافي – وكذا الاتجاه القانوني - الذي يقصر اتساع المضيق على الفتحة التي لا تتجاوز نصف اتساع البحر الإقليمي أن من المضايق ما يتجاوز ضعف اتساع المياه الإقليمية ، ولكن مسطح البحر العالي ليس صالحا للملاحة بحيث تضطر السفن إلى سلوك مسارها داخل المياه الساحلية للدولة الساحلية ، ومثال ذلك الجزء الصالح للملاحة من مضيق «الحزام الكبير Grand Belt» قرب سواحل جزيرة « سيلاند Sealand »، الأمر الذي يشكك في سلامة النظرية التي تحصر المضيق في الممرات ذات الاتساع المحدود ، كما أنها لا تتماشى مع الاتجاه المعاصر الذي ينحو إلى الامتداد بالاختصاصات الإقليمية إلى مسافات في البحر العالي .

- التعريف الذي ينطبق على المفهوم الجغرافي للمضيق ، هو تعريف غير شاف ، لان ليس كل مضيق جغرافي مضيقا دوليا.

من خلال استشفافنا لمختلف التعاريف الفقهية المشار إليها أعلاه، والتي حاولنا قدر الإمكان ملامسة وتحديد مدلول المضايق الدولية، وتوضيح مراميها ومعناها، يتضح لنا بجلاء أن التضارب والاختلاف يطبعها سواء من حيث تحديد عرضها واتساعها وطبيعة مياهها، أو من حيث الضوابط الواجب الاعتماد عليها لتقييم أهميتها الملاحية ومدى استعمالها في الملاحة الدولية، أو من حيث المساحات والمجالات البحرية التي تربط بينها.

ونعتقد أن الأمر ليس باليسر والسهولة لتبني هذا الاتجاه، والتنكر للآخر، لكن الذي يجب ألا يغرب عن أذهاننا أن عبارة مضيق دولي تحمل في طياتها دلالات قانونية وأخرى جغرافية دون أن نستبعد الجانب الوظيفي الذي لا يقل أهمية.

وإذا جاز لنا الدلو بدلونا في معين هذا الخلاف، فإننا نؤيد الاتجاه الذي سار فيه الفقيه « فاراند Donalt PHARAND »، وإن كان لنا من اقتراح لتعريف المضايق الدولية، فإننا نقول بأن : المضيق الدولي هو ممر مائي طبيعي أو شبه طبيعي يصل بين جزئين من البحار العالية أو جزء منها ببحر إقليمي لدولة أجنبية ويستخدم للملاحة الدولية، ولا يزيد اتساعه عن اتساع البحار الإقليمية للدولة أو الدول المطلة عليه.

الفقرة الثانية : تعريف المضايق الدولية في القضاء الدولي

اهتمت محكمة العدل الدولية بوضع معيار للمضيق الدولي في قرارها المعروف في قضية مضيق كورفو، التي ثار فيها الخلاف بين ألبانيا و بريطانيا حول طبيعة هذا المضيق على إثر انفجار ألغام على بوارج حربية بريطانية لدى مرورها بالمضيق مما تسبب لها في أضرار مادية جسيمة وخسائر في الأرواح ، وما إذا كان يسمح بالملاحة فيه للسفن الحربية البريطانية، علما بان هذا المضيق يقع بأكمله في أراضي ألبانيا.

أولا : وقائع قضية مضيق كورفو

يقع مضيق كورفوCORFU، بين جزيرة كورفو اليونانية وسواحل اليونان من الغرب، وبين ألبانيا من جهة الشرق، ويتراوح عرضه ما بين ميل وتسعة أميال ونصف. ويدخل الجانب الغربي من المضيق في البحر الإقليمي لليونان، في الوقت الذي يعتبر القسم الشرقي منه جزءا من البحر الإقليمي لألبانيا.

وتتلخص وقائع قضية مضيق كورفو في أن المدفعية الساحلية لألبانيا قامت بإطلاق قذائف مدفعيتها على سفينتين حربيتين تابعتين لبريطانيا ، أثناء مرورهما في المياه الإقليمية لألبانيا في مضيق كورفو بتاريخ 15 ماي 1946.

ونتيجة لذلك، بعثت الحكومة البريطانية بمذكرة احتجاج إلى ألبانيا في 2 غشت 1946، موضحة فيها رأيها بشأن المرور البريء في المضايق، داحضة بذلك وجهة نظر ألبانيا التي تشترط الحصول على إذن مسبق، ومؤكدة عدم اعتراف بريطانيا بأي حق لألبانيا في وضع أي شروط على حركة المرور في المضيق المذكور، متمسكة بحقها في المرور البريء في المضايق الدولية التي تكون طرقا للتجارة البحرية الدولية بين جزئين من أعالي البحار. ووجهت بريطانيا في نهاية المذكرة إنذارا إلى حكومة ألبانيا بأنه، في حالة فتح بطارياتها النار على أية سفينة من السفن البريطانية عند عبورها لمضيق كورفو، فإنها – أي بريطانيا – ستعامل بالمثل .

وفي 22 أكتوبر 1946 أرسلت بريطانيا سفينتين حربيتين بغرض التأكد من الإجراء الذي ستتخذه ألبانيا، وعند دخولهما البحر الإقليمي لمضيق كورفو تعرضت المدمرتان "سوما رينر" و"نولاق" لأضرار شديدة بسبب ارتطامهما بألغام بحرية، وخلف الحادث 44 ضحية بريطانية.

وفي 12 و13 نونبر 1946 قامت بريطانيا بالكشف عن الألغام بواسطة كاسحات ألغام بريطانية في المضيق، حيث قامت برفع اثنين وعشرين لغما، أخذت اثنين منهما إلى جزيرة مالطا لفحصهما هناك، ليتبين أن الألغام من صنع ألماني، كما أثبت التحقيق عبر شهادة الشهود والذين شاهدوا عملية زرع الألغام أن وضعها قد تم قبل عبور السفن الحربية البريطانية بوقت قصير.

وقد أحيل النزاع على مجلس الأمن الدولي الذي أوصى بعرضه على محكمة العدل الدولية باعتباره نزاعا قانونيا، التي نظرت في الموضوع بناء على اتفاق الطرفين وذلك في 25 مارس 1948، وقررت المحكمة في 9 أبريل 1949 مسؤولية ألبانيا عن الأضرار التي نتجت عن انفجارات الألغام البحرية في المضيق، وما سببته من خسائر وأضرار في الأرواح والأموال لأنها لم تعلن عن وجود الألغام، وهي ملزمة بذلك لصالح الملاحة الدولية.

وأشارت المحكمة في حكمها إلى مبدأ قانوني عام ، مفاده "أن الدول طبقا للعرف الدولي والمعترف به بصورة عامة لها الحق في وقت السلم في عبور سفنها العسكرية في المضايق الدولية التي تصل بين جزئين من أعالي البحار، بدون الحصول على إذن مسبق من الدولة الشاطئية، شريطة أن يكون المرور بريئا، وما لم توجد معاهدة دولية تقضي بخلاف ذلك، فليس من حق الدولة الشاطئية، أن تمنع المرور في المضايق الدولية، في وقت السلم".

" It is , in the opinion of the court , generally recognize and in accordance with international custom , that States in time of peace have a right to send their war-ships through straits used for international navigation between two parts of the high seas without the previous authorization of a coastal State , provided that the passage is innocent. Unless otherwise prescribed in an international convention , there is no right for a coastal State to prohibit such passage through Straits in time of peace " .



ثانيا : تعريف محكمة العدل الدولية للمضيق الدولي

أصدرت محكمة العدل الدولية في 9 أبريل 1949قرارا في قضية مضيق كورفو بين ألبانيا والمملكة المتحدة ، تعرف فيه المضيق الدولي بأنه الممر المائي الذي يصل بين جزئين من أعالي البحار ويستخدم عادة لأغراض الملاحة الدولية. وبذلك أخذت الـمحكمة بعاملين أساسيين فـي آن واحد، هـما الوضع الجغرافـي للمضيق كموصل لـجزئين مـن أعالـي البحار ، واستخدامه للملاحة الدولية « Useful route for international maritime traffic » ، وبذلك تكون المحكمة قد استبعدت من تعريف المضايق الدولية تلك التي تصل بحرا عاليا ببحر إقليمي. وقد رجحت المحكمة العامل الجغرافي على العامل الوظيفي في وضع التعريف ، فلم تشترط أن يكون المضيق طريقا ضروريا بين جزئين من البحر العالي، وإنما يكفي أن يكون كذلك حتى وان كان طريقا مفيدا وربما بديلا فقط، وبذلك تكون المحكمة قد اعتبرت المقياس الأساسي للمضيق هو المعيار الجغرافي، ورفضت اعتبار حجم المرور أو أهمية المضيق للملاحة الدولية "معيارا حاسما" أو"مقياسا" رغم أن النص الإنجليزي للقرار يعطي وزنا لهذا العامل أكثر مما يعطيه النص الفرنسي .

وبتحاشي محكمة العدل الدولية في هذه القضية تحديد قياس دقيق وقبولها التعريف الجغرافي، تكون قد خلطت في الواقع بين المعيار الذي تهتدي به في المياه التي تعود للدولة الشاطئية ومعيار تحديد أي المضايق يعتبر دوليا .

لقد كان رأي بريطانيا أن الصفة الدولية للمضيق لا ترتبط بحجم المرور فيه، وإنما بكونه يربط بين جزئين من أعالي البحار، وبكونه مفيدا للملاحة الدولية. فقد قدم وكيلها المعلومات التالية عن الملاحة في مضيق كورفو خلال الفترة من فاتح أبريل 1936 إلى غاية 31 دجنبر 1937 : " إن عدد السفن المتوقفة في ميناء كورفو بعد مرورها في المضيق، أو قبل ذلك المرور بلغ تلك الفترة 2884، وان هذه السفن تحمل أعلام اليونان وإيطاليا ورومانيا ويوغوسلافيا وفرنسا وألبانيا وبريطانيا، وان هذا الرقم يمثل السفن التي فتشتها دوائر الجمارك في كورفو وأنه بالتالي لا يشمل كثيرا من السفن التي اجتازت المضيق دون توقف في كورفو، وأن عدد السفن الحربية البريطانية استخدمت المضيق بصورة منتظمة منذ أكثر من تسع ، وأن السفن الحربية لدول أخرى استخدمته كذلك" .

وبناء على هذه الظروف توصلت المحكمة إلى أن القناة الشمالية لكورفو يجب اعتبارها من صنف الممرات المائية الدولية، ولهذه الأسباب لم تقبل المحكمة ادعاء ألبانيا بان حكومة المملكة المتحدة قد انتهكت سيادة ألبانيا بإرسال سفن حربية في المضيق دون إذن سابق من السلطات الألبانية.

وقد نفت ألبانيا عن مضيق كورفو صفة المضيق الدولي الذي يتحقق خلاله حق المرور البريء للسفن الأجنبية، مطالبة بتحديد هذه الصفة بالاعتماد على كون المضيق يربط بين جزئين من البحار العالية ويستخدم لمرور عدد مهم من السفن. وفي القرار الذي أصدرته المحكمة في هذه القضية أخذت لتحديد مقدار استخدام المضيق للملاحة الدولية بمعياري عدد السفن المارة في المضيق وعدد الدول التي ترفع تلك السفن أعلامها.

وقد أثار هذا الحكم العديد من التعليقات من جانب فقهاء القانون الدولي، حيث اختلف كل فريق واتخذ موقفا منه. فقد رأى الأستاذ « شارل دوفيشر Charles de VISSER» أن الحكم على قيمة أي مضيق في الملاحة الدولية إنما يتوقف على أهمية حركة الملاحة الدولية فيه، وبأن المعايير الواردة في قرار محكمة العدل الدولية ليست شاملة جدا، وإنما هناك أربعة عوامل يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار لتحديد أهمية المرور البحري في المضيق، وهي :

Ë عدد السفن المستخدمة له.

Ë مجموع حمولتها.

Ë قيمة تلك الحمولة.

Ë وعدد الأعلام التي ترفعها تلك السفن .

ويتجه الأستاذ « اوكونيل O Connell » إلى أنه لا يكفي للحكم على خليج ما بأنه دولي أن يكون موصلا بين بحرين عاليين بل يجب أن ينظر إلى حجم الملاحة الدولية فيه، وبعبارة أخرى لا ينبغي أن نعطي الأهمية للعنصر الجغرافي، بل نعطيها للعنصر الوظيفي .

أما الفقيه الدنمركي « ايريك برول Eric BRUEL » فقد انتقد بشدة قرار محكمة العدل الدولية، معتبرا أن مضيق كورفو ليس مضيقا دوليا وإنما مجرد ممر جانبي بسيط لا ترقى أهميته لتبرير القيود على حقوق الدولة الشاطئية، وان السماح بالـمرور بين جزئين من البحر العالـي غير كاف، وكان من الأولـى حسب رأيه الأخذ بعين الاعتبار الربط بين بحرين مختلفين كالبحر الأبيض المتوسط والبحر الأدرياتيكي .

ومن الجدير بالذكر أن ألبانيا لم تنازع في كون قناة كورفو الشمالية مضيقا بالمعنى الجغرافي، إلا أنها رفضت اعتبار تلك القناة من صنف الطرق الدولية التي يتقرر فيها حق المرور على أساس أنها ذات أهمية ثانوية وليست ممرا ضروريا من البحر العالي، وهي تستعمل للملاحة المحلية فقط من وإلى موانئ "كورفو" و"سارا ندا".





--------------------------------------------------------------------------------





http://www.ahewar.org/

الحوار المتمدن

جريمة الإبادة الجماعية

جريمة الإبادة الجماعية

إعداد : اشرف احمد سلامة العدوان











مقدمة

تهدف جريمة ابادة الجنس البشري Genocide الى قتل الجماعات او المجموعة البشرية بوسائل مختلفة وتعتبر من الاعمال الخطيرة التي تهدد أمن وسلامة المجتمع لأنها تؤدي الى ابادة أواضطهاد كائنات انسانية كليا او جزئيا بسبب طبيعتهم الوطنية او العرقية او السلالية او الدينية , وهي ترتكب بصورة عمدية ولا تنحصر اثارها على الوضع الداخلي للدولة التي تقع في نطاق حدودها الاقليمية و انما تمتد حتى الى الأسرة الدولية بسبب أثارها الشاملة كذلك فهي ليست من الجرائم السياسية و انما تعد من الجرائم العمدية العادية حتى وان ارتكبت بباعث سياسي .



و يعود التطور التاريخي لهذه الجريمة الى العصر البابلي وجرى ارتكابها اثناء الحرب العالمية الاولى حين استعمل الألمان الغازات السامة في فرنسا وكذلك في اثناء الحرب العالمية الثانية منذ عام 1939-1945 مما يؤكد أهمية وخطورة هذه الجريمة وكونها من الجرائم الماسة بحقوق الانسان الامر الذي دفع بالامم المتحدة الى وضع اتفاقيتين دوليتين لتنظيم احكامها وهو ما حثها الى عقد اجتماع في روما لتأسيس محكمة جنائية دولية عام 1998 ولدت الى النور في نيسان من عام 2002 واودعت الاتفاقية لدى الامم المتحدة وحدد قضاتها الذين سينظرون في مختلف الجرائم الدولية ومنها جريمة أبادة الجنس البشري ومما يدخل في اختصاصاتها مثل هذه الجرائم الدولية اعتبارا من 1 ايلول2002 .



ولم تعد قضية حقوق الإنسان و الانتهاكات البليغة التي ترتكبها الأنظمة الدكتاتورية مسألة داخلية لا يمكن للاسرة الدولية أن تتدخل لوقف قمع السكان المدنيين أو أن يبقى المجتمع الدولي متفرجا من قضية التطهير العرقي أو الجرائم الدولية الخطيرة التي يرتكبها بعض الحكام الظالمين في أي بقعة من الأرض , وإنما أضحت مسألة احترام حقوق البشر قضية تهم المجتمع الدولي ولا تنحصر بشؤون الدولة الداخلية ولا تتعلق بالأمن الوطني فقط أو تخرق مبدأ التدخل في الشؤون الداخلية للدول التي تنتهك هذه الحقوق , لان هذه الانتهاكات صارت مصدرا للقلق والنزاعات وعدم الاستقرار للمجتمع الدولي. و أضحت هذه الجرائم سببا خطيرا للنزاعات والحروب مما يؤثر استمرارها على الأمن والسلم الدوليين خصوصا إذا جاءت هذه الانتهاكات ضمن ممارسات ارهاب الدولة.









تحديد مفهوم جريمة ابادة الجنس البشري



نصت اتفاقية منع ابادة الاجناس البشرية والمعاقبة عليها لعام 1946 على احكام الجريمة المذكورة فالابادة يقصد بها التدمير المتعمد للجماعات القومية او العرقية او الدينية او الاثنية ويراد بكلمة او مصطلح genocide في اللغة اللاتينية ( قتل الجماعة ) فقد اقترن اسم وشيوع مصطلح جريمة الابادة مع النازية اولا حيث جرى قتل ملايين البشر بسبب دينهم او اصلهم العرقي وأعتبرت الجريمة من نمط الجرائم ضد الانسانية حتى ولو لم تكن الجريمة اخلالا بالقانون الداخلي للانظمة المنفذة لها .



ولاشك ان ارتكاب الافعال بقصد التدمير الكلي او الجزئي لجماعات قومية او اثتية او عنصرية او دينية تقع من خلال صور متعددة وسواء أكانت الجريمة بصورة مباشرة ام التحريض عليها ام بالتامر على ارتكابها وسواء اثناء السلم ام الحرب فقد جاء في المادة الثانية من الاتفاقية مايلي :



(( في هذه الاتفاقية تعني الابادة الجماعية ايا من الافعال التالية : المرتكبة عن قصد التدمير الكلي او الجزئي لجماعة قومية او اثنية او عنصرية او دينية , بصفتها هذه :

1. قتل اعضاء من الجماعة

2. الحاق اذى جسدي او روحي خطير باعضاء من الجماعة

3. اخضاع الجماعة عمدا لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا او جزئيا

4. فرض تدابير تستهدف الحؤول دون انجاب الاطفال داخل الجماعة

5. نقل اطفال من الجماعة عنوة الى جماعة اخرى.))



وهذه الافعال الاجرامية يعاقب عليها القانون سواء من خلال الابادة فعليا او بالتامر على ارتكاب الابادة الجماعية او التحريض المباشر والعلني على ارتكابها او في محاولة ارتكابها او الاشتراك فيها ويتعرض للمسؤولية القانونية اي شخص كان حتى ولو كان مسؤولا دستوريا او موظفين عامين او افرادا كما ان هذه الجريمة لا تسقط بمرور الزمان .



يتضح من ذلك ان قتل الجماعات تحصل بطرق او وسائل مختلفة منها :



النوع الاول :الابادة الجسدية



وهو يتمثل في قتل الجماعات بالغازات السامة او الاعدام او الدفن وهو احياء او القصف بالطائرات او الصواريخ او باي وسيلة اخرى تزهق الروح



النوع الثاني :الابادة البايولوجية



وتتمثل بطرق تعقيم الرجال او اجهاض النساء وبوسائل مختلفة بهدف القضاء على العنصر البشري . ( الفقرة د- من المادة الثانية ) من اتفاقية منع ابادة الاجناس والمعاقبة عليها .



النوع الثالث:الابادة الثقافية



وتتمثل في تحريم التحدث باللغة الوطنية والاعتداء على الثقافة القومية (الفقرة ج من المادة الثانية من الاتفاقية.)



أقسام الجرائم الدولية



جرائم مرتبطة بالحرب War Crimes

جرائم ضد السلم War against peace

جرائم ضد الإنسانية Crimes Against Humanity



والجريمة الدولية تنفذ بصورة عمدية وهي جريمة كبرى High Crime, أي ترتكب مع وجود القصد الجنائي للفاعل Criminal Intent , ولهذا لا ترتكب الجريمة الدولية في شكل جنحة أو مخالفة أو بطريقة غير عمدية أي خالية من القصد الجنائي . لذلك تعد الجريمة الدولية جناية خطيرة Infamous Crime تهز الأمن والسلم الدوليين ولا تنحصر أثارها على إقليم الدولة فقط و إنما تمتد أثارها إلى المجتمع الدولي أيضا وتطبق عقوبتها باسم الجماعة الدولية ويمكن تعريفها على إنها (( واقعة إجرامية تخالف قواعد القانون الدولي سواء أكان الفعل الذي يشكل جريمة في صورة فعل, جريمة بفعل إيجابي , أم امتناع عن فعل وهي الجريمة سلبية )).



أركان الجريمة الدولية ضد حقوق الإنسان



يمكن تحديد هذه الأركان على النحو التالي



الركن الشرعي : ويقصد به النص القانوني الذي يجرم الواقعة ( الفعل أو الامتناع ) من الأعراف و الاتفاقيات و النصوص الدولية الموقع عليها من الدول مثل اتفاقية تحريم إبادة الجنس البشري genocide وهي جريمة ضد وجود البشر إما أن تكون في صورة إبادة مادية بالقتل للتخلص من قومية معينة أو عنصر معين أو طائفة معينة وقد تكون الجريمة في شكل إبادة بيولوجية مثل تعقيم البشر و إبادة ثقافية كتحريم النطق باللغة القومية إن الثقافة التي تتميز بها القومية أو الطائفة أو الجماعة كما بينا ذلك , ومما يتعلق بالنص الشرعي ايضا النص على أسس الحرب الظالمة والجرائم ضد السلام كحيازة الأسلحة الفتاكة وشن الحرب و الجرائم ضد الإنسانية التي تخص انتهاكات حقوق الإنسان .



الركن المادي : ويقصد به الأفعال أو الامتناع عن الأفعال التي تشكل جريمة دولية أي هو التصرف العمدي الخطير بحد ذاته كتدمير القرى والبيئة و إخفاء الأشخاص وأجراء تجارب السلاح البيولوجي والكيماوي ضدهم .



الركن المعنوي : أي أن الجريمة الدولية ترتكب عمدا ( قصد جنائي ) وهو ما يدل على خطورة الجريمة الدولية التي تهز أركان المجتمع الدولي في أمنه وتهدد السلم العالمي.ولهذا تعد الجريمة الدولية من درجة الجنايات العادية الكبرى ولا تعد الجريمة الدولية من درجة الجنحة أو المخالفة وذلك لان الجريمة الدولية ترتكب عن قصد ) ارادة الفعل + النتيجة ) معا .



ومن المعلوم – طبقا لقواعد القانون الدولي – أن مرتكب الجريمة الدولية لا يجوز منحة حق اللجوء مهما كان نوعه , لجوءا سياسيا أم لجوءا إنسانيا , فلا يجوز منحة حق اللجوء السياسي لأنة ليس سياسيا ولا تعد جريمته المرتكبة جريمة سياسية , و لايمكن أن يمنح حق اللجوء الإنساني لانه مجرم عادي مطلوب للعدالة ولابد من محاسبته أمام القانون عن الجرائم التي ارتكبها وفي أن ينال الجزاء العادل الذي يستحقه قانونا وتقع على المجتمع الدولي الحد من ظاهرة الافلات من العقاب .







ثم أن هذه الجريمة لا تسقط بالتقادم مطلقا , أي لا تسقط بمرور الزمان و إنما تبقى الجريمة قائمة وثابتة على الفاعل ولا يستطيع أن يتخلص منها بحجة مرور الزمان – وهذا ما حصل بالنسبة إلى دكتاتور تشيلي السابق (بي نوشيه ) وكما وقع مع دكتاتور صريبا ( سلوبودان ميلوسوفتش , (كما أن مرتكب الجريمة الدولية لا يعفى من المسؤولية حتى ولو كان يشغل منصب رئيس دوله طبقا إلى اتفاقية عام 1970 .



ونشير هنا إلى دور الصليب الأحمر ( اللجنة الدولية ) في المبادرة لتدوين قواعد القانون الدولي الإنساني أي في وضع قواعد قانونية في أثناء النزاعات المسلحة تهدف إلى حماية الإنسان كما بادرت إلى تدوين قواعد القانون الدولي الإنساني وتحت اتفاقية جنيف في 12-8-1949 واتفاقية لاهاي 1899 و 1907 وبرتوكول جنيف 1925 .

وللصليب الأحمر الدولي دوره في حماية القواعد الأساسية لحقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة وهي مثلا :

1. عدم جواز مهاجمةالأشخاص من الأبرياء الذين لم يدخلوا النزاع المسلح ومن الذين لا صله لهم بها وهم) المدنيون).

2. حظر قتل أو جرح العدو الذي يستسلم أو يصبح عاجزا عن القتال ومعاملة أسرى الحرب بصورة إنسانية

3. رعاية الجرحى والمرضى و معالجتهم طبيا حسب الأصول .

4. صيانة الحقوق البشرية الأساسية للأسرى .

5. تمتع جميع الأشخاص بالضمانات القانونية في محاكمة عادلة عن الاتهامات بارتكاب الجرائم.

6. ليس لأي طرف في النزاع حق مطلق في اختيار أسلوب الحرب أو السلاح الذي يستخدمه أو في استعمال شارة الصليب الأحمر للأغراض العسكرية .

7. حظر سلب أو نهب أو سرقة الممتلكات أو اعتبارها غنائم حرب .

الإرهاب الدولي المنظم وآثره على السلام العالمى

عنوان المحاضرة الإرهاب الدولي المنظم وآثره على السلام العالمى


للدكتور سعد الشلمانى

محاور المحاضرة

- النظام العالمى الجديد باعتبار أن هذا النظام العالمى الجديد هو الذي ممكن أن نرى فبه كيف أن الإرهاب الدولي أصبح إرهاب دولي ثم أن يكون القسم الأخر من المحاضرة تعريف الإرهاب وأنواع وأشكال الإرهاب وأيضا الإشارة إلى البعد الأخر فى الإرهاب وهو ما نسميه البعد الإسرائيلي أو الصهيوني فى الإرهاب باعتباري اعتقد الاعتقاد جازم بأن هناك من هم أصحابه مصلحة فى تطوير نظرية تتعلق بالإرهاب وخاصة الإرهاب الإسلامي ومحاولة ربطة بالعرب والمسلمين لتحقيق أهداف هم يبغون مسبقا ثم أتناول هذين المحاورين فكرت أن يكون المحور الثالث هو محاولة للربط بين هذين الموضعين وهو طبيعة النظام العالمى الجديد والإرهاب الدولي وبعده النظام الدولي هو باختصار كان نظام قطبيا ثنائيا فى مرحلة الحرب الباردة التي استمرت فى عام 1945 م إلى بداية التسعينات وكان هذا النظام الدولي يقوم على القطبية الثنائية والحرب الباردة والتوازن الدولي ثم حديثي تحاولان مفاجئة فى الاتحاد السوفيتي والتفكير السياسي الجديد ثم انهيار وتفكك الاتحاد والانهيار الدول الماركسية وبدأ نظام تثائيآ قطبيا يفتح المجال لنظام دولي جديد فالنظام الدولي الجديد كانت له مجموعة

- من المؤشرات التي صارات إلى أن هناك تغير فعلا فى العلاقات الدولية وفى النظام الدولي هذه المؤشرات عديدة ولكنني سأذكر بعضا منها :-

- المؤشر الأول كان تفكك الاتحاد السوفيتي وانفصال بعض جمهورياته عنه

- المؤشر الثاني كان انهيار الأنظمة الماركسية فى دول أوربا الشرقية الذي تزامن مع انهيار الاتحاد السوفيانى بعد أن فقدت هذه الدول الدولة الكفيلة أو الدولة الكبيرة بالنسبة لها

- المؤشر الثالث :- كان قيام الوحدة الألمانية بعد الانهيار صور برلين

- المؤشر الرابع ك- وهو حرب الخليج الثانية 1991 م والتي كانت فى نفس الوقت أول اختيار لهذا النظام الدولي الجديد لم تكن مؤشر فقط ولكنها كانت اختبار لهذا النظام الجديد الأمريكي السابق بوش الأب عن قيام النظام الجديد فى خطاب له فى 6 مارس عام 1991 م مؤكدا على أن هذا النظام الدولي الجديد نظام يحمى الضعيف من القوى وتستطيع خلاله الأمم المتحدة أن تقوم بدورها الذي أراده له مؤسسه بالإضافة إلى هذه المؤشرات الأربعة اعتقد أن هناك كان مؤشر مبكرا جدا لبداية هذا النظام الدولي الجديد











- الذي تتولى فيه الولايات المتحدة دور الحب الوحيد وهذا المؤشر جاء فى عهد 1986 م وهو الغارات الأمريكية على ليبيا فى إبريل 1986 كان ذلك مؤشر من ذلك الوقت على التوازن الدولي بدأ ينهار وإن الولايات التمحدة بدأت تشعر إنه لم تعد هناك القوة آلتي تستطيع أن تمنعها عن القيام بما تريد أن تقوم به وبالتالي تجرأت وقامت بغاراتها على ليبيا فى إبريل 1986 وكان ذلك دليلا على شعورها بالانفراد

- بالقوة وعدم إعارتها أي اعتبار للقوة العظمى المنافسة وهى الاتحاد الدولىإذا كان النظام الدولي القديم أختتم بالصراع الأيدلوجي والحرب الباردة فالنظام الدولي الجديد لم يستقر بعد على الأقل في بداية التسعينيات وحتى الآن لازال الكتاب والمفكرين والمحللين يختلفون في الشكل الذي يستقر عليه النظام الدولي الجديد هذه الأشكال تتنوع هناك وجة نظر تقول أو ترى انه لا يوجد نظام دولي جديد أصلا وان النظام الدولي القديم بمنطقته الدولي الأمم المتحدة واليات عمله مازال قائم هذه وجة نظر تقول إن النظام الأول مادمت الأمم المتحدة مستمرة فبالتالي لن يحدث تغير وان النظام القديم هو الجديد ولن يحدث تغير صحيح هذا النظام مازالت الأمم المتحدة موجودة ولكن التنافس الأيدلوجي و توازن القوى القائمة على الثنائية القطبية لم يعد موجود وتغير بالكامل .

- وجة النظر الثنائية هي التي ترى النظام الدولي القديم أدى إلى فوضة وعدم وجود نظام وهو ما يسمى يورمورك( ) انه لم يعد هناك نظام وان العالم يعيش في فوضة .







- وجة النظر الثالثة : ترى أن النظام الدولي الجديد الذي يتشكل لابد أن يحافظ على التوازن الذي لا يمكن أن يتحقق الا من خلال ثنائية سواء كان غرب أو شرق وشمال وجنوب نحن وهم حضارتنا وحضارتهم المركز والأطراف دار الحرب ودار السلام يعتقد إن النظام الدولي لابد أن يكون ثنائيا قطبيا لكي يحدث توازن ويكون النظام متوازنا ولذلك اعتقد إن النظام الدولي سيكون ثنائي وخاصة بين دول صناعية متقدمة ودول متخلفة وغير صناعية .

- وجة النظر الرابعة : يعني الآلية التي ترى انه في أعقاب الصراع

- الأيدلوجي الايكالوجي بين الشيوعية والرأسمالية فان الصراع

- سيكون في المرحلة القادمة صراع ثقافي وديني وبالتالي فان النظام

- الدولي سيتسم بصدام الحضارات أو نظرية الكلاشن

- التي طورها سام ويل هنديسون وتتحدث عن إن مصدر النزاع ثقافي

- و إن خطوط التماس ستكون على أسس ثقافية ودينية ففي السابق

- كان الصراع بين الملوك والأمراء من اجل التوسع مع الثورة

- الفرنسية اصبح الصراع بين دول قومية مع الثورة الروسية اصبح

- الصراع أيدلوجي ولكن الصراع لكن الصراع الآن هو صراع ثقافي وحضاري .



- وجه النظر الخامسة : هي التي ترى النظام الدولي سيكون نظام عولمة فعولمه في كل المجالات أفول الدولة القومية أدى إلى انفتاح العالم وتطور التقنية والتكنولوجية والاتصالات كل هذا يؤدي إلى أن يكون النظام الدولي يتسم بشكل عام بالعو لمة .

-

وجة النظر السادسة .

- هي التي تقول إن النظام الدولي الجديد ونظرا للتحول من عالم جيواستراتيجي إلى عالم جيواقتصادي فان القوة الاقتصادية ستشكل أقطاب متعددة في نظام متعدد الأقطاب أي انهم يرون إن التعددية القطبية هي مال النظام الدولي وخاصة إن هذه التعددية ستقوم على أسس اقتصادية بمعنى أن تكون هناك كتلة في أوروبا حول اليورو وكتلة فى جنوب شرق آسيا حول ألين وكتلة فى أمريكا الشمالية وغيرها حول الدولار وبالتالي إن التوازن أو النظام الدولي سيقوم على التعددية القطبية على أسس اقتصادية تتمحور حول هده العملات الرئيسية

- وجه النظر السابعة : ترى إن انتهاء الحرب الباردة و انهيار الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية أدى إلى بقاء قطب واحد وقوة

عظمى وحيدة وهى الولايات المتحدة الأمريكية إذا هولا يؤمنون بان النظام يونى

بولر بمعنى انه إحدى القطبية وليس ثنائيا ولا تعدديا وحيث إن النظام الدولي وفقا

لتعريفي هو توزيع مستقر للقوى بين القوى الكبرى بالاظافة إلى انه نمط من

السلوك و القواعد التي تحكم سلوك الدول فان النظام الدولي سيبقى والى فترة ما

أحادي أمريكي وكما يقول تشارز وكوفهامر وهو كاتب فى العلاقات الدولية

- فان أهم سمة لمرحلة ما بعد الحرب الباردة هي الأحادية اليورى بولرس هي السمة الأساسية للنظام الدولي فى فترة ما بعد انهيار و انتهاء



- وجهة النضر الثامنة : الحرب الباردة فقد ظهرت الولايات المتحدة كمركز القوى العالمية فى وضع غير متحدى كقوى عظمى .

- تقول أن النظام الدولي الجديد ليس فقط نظام أحادي القطبية ولكنه نظام أحادية القطبية بالهيمنة الأمريكية إذا هو يونى بولر اجيمون يقوم على ألاق لوبر هيجتموني فيه أي الهيمنة الأمريكية تتهيمن فيه القوى العظمى الوحيدة وتتمتع فيه بوضع غير مسبوق من القوى والسيطرة و الهيمنة بل وغطرسة القوة

مدخل إلى أولويات الأمن الإنساني

مدخل إلى أولويات الأمن الإنساني

الدكتور غسان شحرور

اليرموك



مفهوم الأمن الإنساني:

روج برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP لهذا المفهوم، الذي أخذ ينتشر فيما بعد هنا وهناك، وتبنته ودعمته دول عديدة، وظهر في العديد من الخطوات التي اتخذتها منظمة الأمم المتحدة، خلال السنوات الماضية، وهو يركز على حماية المدنيين، والأطفال، وتوفير الرعاية الصحية، ومكافحة المخدرات والهجرة الإجبارية، ومكافحة انتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة وإساءة استخدامها، وتلوث أراضي المجتمعات المحلية بالألغام ومخلفات الحروب، وغيرها. ويعود انتشار هذا المفهوم الجديد في العمل الدولي إلى أن المدنيين والمواطنين الأبرياء هم أكثر الضحايا في نزاعات العالم الآن، مع تزايد النزاعات داخل البلد الواحد، وأخذت تستقطب الاهتمام، الذي كان يسلط سابقا على النزاعات بين الدول، وهكذا ازداد الاهتمام بأمن الإنسان والناس والمجتمعات المحلية، الذي يكمل الاهتمام بأمن الدول.



خلال العقد الماضي شكل المدنيون ما يزيد عن 80 % من ضحايا النزاعات، لقد شُرّد أكثر من ثلاثين مليون شخص حول العالم، اقتلعـوا من منازلهم، ومجتمعاتهم، ففقدوا أعمالهم وذويهم، وفقد الأطفال مدارسهم، وبيوتهم وألعابهم، وعائلاتهم، واستخدم بعضهم في النزاعات المسلحة، وتعرضوا للاستغلال والاتجار بهم وغير ذلك، وهذا ما يحل بكبار السن أيضا، بينما وجدت المرأة نفسها في أقسى الظروف الصحية والاجتماعية والإنسانية، فتعرضت إلى مختلف أشكال العنف والاستغلال والقهر، وفي مناطق النزاعات والصراعات ينتشر تجار الموت، تجار المخدرات، وتجار الأسلحة الصغيرة والخفيفة، وتجار الأطفال بكل أشكالها وألوانها البغيظة.



لقد كانت حملة مكافحة انتشار الألغام الأرضية المضادة للأفراد أول تعبير فعلي في جدول أعمال الأمن الإنساني، التي تهدف إلى حماية المدنيين والأبرياء لا سيما المرأة والطفل، من هذه الأسلحة الشيطانية التي لا تميز بين المحاربين والمدنيين، وتبقى في الأرض طويلا تنشر الموت والخوف بين المواطنين في مجتمعاتهم وتحرمهم من أرضهم ومواردهم، ثم جاء البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل، الذي حدد العمر 18 كحد أدنى لتجنيدهم وتوظيفهم، ثم جاء برنامج الأمم المتحدة للحد من انتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة، هذه الأسلحة التي يسبب انتشارها العشوائي غير المقنن، واستخدامها غير المشروع، إلى وقوع العديد والعديد من الضحايا الأبرياء في كثير من أنحاء العالم. وكذلك برامج وخطوات مكافحة المتاجرة بالمخدرات، ومواجهة الجريمة المنظمة، والتي تؤدي إلى انتشار النزاعات، وتلحق أشد الأذى بالمواطنين الأبرياء.



من أولويات الأمن الإنساني:



1- الصحة:

من أهم أولويات الأمن الإنساني، فالمرض والإعاقة والموت أخطار تتربص جميعا بالإنسان والمجتمعات التي تفتقر إلى الرعاية الصحية المتكاملة، وهكذا أصبح ضروريا توافر الرعاية الصحية الأولية للأسرة، لاسيما الأطفال (برنامج رعاية الطفولة)، والأمهات (برامج رعاية الأمومة)، ومكافحة الأمراض الوبائية، والتغذية، وإصحاح البيئة وغيرها، لقد شكل انتشار وباء الإيدز، وكذلك التدرن أو السل تحديا كبيرا لأمن الإنسان في بلاد عديدة لاسيما في أفريقيا وآسيا، وأصبح ضروريا مشاركة الفرد مشاركة فاعلة، في الخدمات والبرامج الصحية، وليس فقط كمستقبل ومتلقي لها، بينما أصبح تقديم المعلومات والمعارف الصحية حق من حقوق المواطن في عصر المعلومات، ينبغي أن تبذل كل الجهود لتوفيرها لكل أفراد المجتمع.

لقد أصبحت القضايا الصحية محورا للتعاون الدولي، فالكثير من الأمراض لا تعرف الحدود، وكثيرا ما يقترن الفقر بتدهور الصحة، ويكون سببا كبيرا يهدد أمن الإنسان، ويعمل على ظهور النزاعات بين الناس، وقد يؤجج ما هو موجود منها.



أمثلة للمناقشة:

تدهور البيئة، الأوبئة، صحة الطفل، الأمومة الآمنة والصحة الإنجابية، دور الفرد والأسرة والمجتمع، دور المؤسسات الحكومية، المنظمات الدولية، وغيرها.





2- العنف ضد المرأة:

تتعرض المرأة في أكثر من مكان في العالم إلى مختلف أشكال العنف: داخل المنزل، وفي المجتمع، أثناء الحرب وأثناء السلم، وهي قد تتعرض للعنف الجسمي، والجنسي، والقتل، والاستغلال الثقافي والإنساني.

وقد تم اعتماد إعلان الأمم المتحدة لإزالة العنف ضد المرأة، وكذلك خطة عمل بكين التي تم تبنيها عام 1995، التي نادت بمكافحة العنف ضد المرأة بكافة أشكاله، داخل المنزل، والمجتمع، والدولة في زمن السلم والحرب.

كما تضمن قرار مجلس الأمن رقم 1325 عام 2000، حول المرأة والسلام والأمن، وأبرز مرحلة جديدة من عمل منظمات الأمم المتحدة، ومن أهم ما تضمنه في هذا الصدد: زيادة تمثيل المرأة في كل المستويات بدءا من مراكز صناعة القرار المتعلقة بمواضيع الوقاية وتدبير وحل النزاعات، والوقاية من العنف، وفي قوات حفظ السلام، وفي مجالات التدريب والرصد، وفي برامج إغاثة اللاجئين، وبرامج نزع السلاح وما يتبعه من تشغيل وتأهيل.

إن حماية المرأة من العنف بأشكاله المختلفة، ومكافحة ما تتعرض له من تمييز أصبح محور الاهتمام العالمي، والعمل الإقليمي والوطني والأهلي. وتدار حملات عديدة للتوعية والمدافعة من أجل وضع التشريعات والبرامج لحماية المرأة، ورصد وتقويم هذه البرامج والإجراءات، وما تحققه من نتائج، فحماية المرأة من العنف هو حق من حقوق الإنسان، ينبغي العمل على جميع المستويات من أجل تأمينه، وليس مصادفة أن يرفع يوم العمل الدولي لصحة المرأة (28 أيار 2005) شعار " أنهوا العنف ضد المرأة".



أمثلة للمناقشة:

العنف في المنزل، العنف والاعتداء في الطريق، دور العادات والتربية، والقانون، إساءة استخدام الأسلحة والمرأة، دور الجمعيات والاتحادات النسائية.....





3- الأطفال والنزاعات المسلحة:

كثيرا ما يتعرض الأطفال للخطر أثناء النزاعات المسلحة وما قد يعقبه، وقد يتم استخدامهم كجنود أطفال، أو لأشكال الاستغلال الأخرى، وتفيد الدراسات أنهم الأكثر بين الضحايا المدنيين لأسباب كثيرة معروفة، وقد كفلت قرارات الأمم المتحدة للأطفال الحق في الرعاية الصحية والاجتماعية والإنسانية، والتعليمية، وجاء البروتوكول الإضافي لاتفاقية حقوق الأطفال، ليمنع استخدام الأطفال كجنود، فهو يحظر استخدامهم وتشغيلهم، ويكفل لهم الحماية، وتفيد الدراسات أن أكثر من ثلاثمائة ألف من الأطفال الجنود في العالم، يحتاجون إلى المساعدة، وتأهيلهم وتوافر العمل المناسب لهم ولعائلاتهم. والجدير بالذكر أن الجمهورية العربية السورية من الدول العربية الأولى التي صادقت على هذا البروتوكول الإضافي لاتفاقية حقوق الطفل الذي يوافر له الحماية اللازمة.

وقد شدد مجلس الأمن في قراره رقم 1539 نيسان 2004 ، على التزام الحكومات بحماية الأطفال أثناء النزاعات المسلحة، وتكليف الأمين العام للأمم المتحدة بمراقبة ذلك.



أمثلة للمناقشة:

استخدام الأطفال في النزاعات وتجنيدهم- الآثار على الأسرة، والمجتمع، دور الإعلام، ودور الجمعيات الأهلية، والمنظمات الدولية..





4- الأسلحة الصغيرة:

لقد قتلت الأسلحة الصغيرة كالمسدس والبندقية والرشاش، نحو مليوني طفل خلال الأعوام العشرة الماضية، وتفيد البيانات أن نحو 600 مليون قطعة سلاح منتشرة في العالم بينها 60 % منها بصورة غير قانونية، يغذيها تجار الحروب والعصابات وبعض الحكومات، ويؤدي انتشارها وعدم وضع القوانين الناظمة لها وبعض العادات والتقاليد إلى تأجيج الخلافات، وإصابة المدنيين لا سيما الأطفال والنساء، وقد تمخض مؤتمر الأمم المتحدة حول الاتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والخفيفة عام 2001 عن برنامج عمل على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية، لتعزيز الإجراءات لرصد وضبط الاتجار والاستخدام غير المشروع للأسلحة الصغيرة والخفيفة، والعمل على الحد من استخدامها وانتشارها غير المشروع.

لقد تأخر المجتمع الدولي كثيرا في الاهتمام بهذه المشكلة، التي أخذ تستفحل وتنمو يوما بعد يوم، إن نظرة سريعة إلى الأرقام تظهر هول هذه المشكلة، إذ أن ضحايا الأسلحة الصغيرة والخفيفة في العالم يزيد عن ألف حالة موت يوميا بالإضافة إلى آلاف الضحايا ممن يحتاجون إلى العلاج والتأهيل الطويل والمكلف، وقد بينت دراسة عالمية أن نفقات العنف المباشرة وغير المباشرة سنويا في أمريكا الجنوبية وحدها تبلغ نحو مائة وخمسين مليار دولار. لقد ارتبطت هذه الظاهرة ظاهرة الاتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والخفيفة، بشبكات عصابات المخدرات والتهريب والقضايا الإجرامية، الأمر الذي يلحق أضرارا جسيمة بالأفراد والمجتمعات، بسبب هدر الأموال في شراء هذه الأسلحة، التي لا تحقق أي مردود اقتصادي أو اجتماعي غير الموت والخوف والإعاقات المختلفة بأبعادها النفسية والاجتماعية والصحية.





وعلى الصعيد العربي انتشرت ظاهرة انتشار الأسلحة الصغيرة في بعض الدول العربية لاسيما اليمن والعراق والسودان والمغرب وغيرها، وقد قام مجلس وزراء الداخلية العرب الذي تأسس عام 1982 بجهود كبيرة لحماية المواطنين.

وشهد يوم المرأة العالمي 8 آذار 2005 انطلاق حملة عالمية شعارها "أوقفوا عنف السلاح ضد المرأة" من خلال حملات التوعية بهذه المشكلة، والحث على ترخيص وتنظيم الأسلحة ومراقبتها، وزيادة مشاركة المرأة في فرق السلام وعمليات فض النزاعات، والجمعيات الأهلية والأفراد الذين يهتمون ويعملون في هذا المجال، مع دعوة الحكومات على تشديد الإجراءات في هذا المجال.



أمثلة للمناقشة:

عادات إطلاق النار في الأعراس، الشجار بين العائلات، اللصوص، دور المؤسسات الإعلامية، الجمعيات الأهلية، أخرى ..







ومن الجدير بالذكر أن هذه الأولويات للأمن الإنساني وغيرها تصب في إطار حماية الإنسان لاسيما المدنيين، وتجنب حدوث النزاعات، وتوفير عوامل ضرورية لحياة أفضل للفرد والأسرة والمجتمع.

المحكمة الجنائية الدولية ( 4 )

المـــــراجـــــع







1 / النصوص القانونية :



• النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية .

• ميثاق منظمة الأمم المتحدة .

• إتفاقيات جنيف الأربعة لسنة 1949 ونصوصها اللاحقة المؤرخة في 1977/06/08 .



2 / المنشورات القانونية :

• AGNES CALLAMARD .

• BARBARA BEDNONT .

• ARINE BRUNET .

• DYAN MAZURANA .

• MADLEINE REES .





• »التحقيق في خرق حقوق الإنسان خلال النزاعات المسلحة «

منظمة العفو الدولية ( سنة 2001 الثلاثية الثانية ) .



• الدكتور أحمد قاسم الحميدي » المحكمة الجنائية الدولية «

( الجزء الثاني ) منشورات مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان

( عدد 16 ) .



3 /ANDRE DULAIT

• تقرير خاص بالمحكمة الجنائية الدولية مقدم للجنة الشؤون

الخارجية بالبرلمان الفرنسي بجلسته العادية لسنة 1998/1999 .

موقع إلكتروني : W .W SENAT تقرير عدد 313 ( لسنـــــة

98/99 ) .







المحكمة الجنائية الدولية



تدريب تطبيقي على قواعد وآليات

المحكمة الجنائية الدولية



( حالة إفتراضية عدد 1)





قامت القوات العسكرية ( البرية والبحرية والجوية ) التابعة للدولة ( أ ) بهجوم واسع النطاق على أراضي الدولة ( ب ) وذلك إثر نزاع قائم بينهما لا يزال موضوع نظر من الهيئات المتخصصة لدى منظمة الأمم المتحدة .

وأقد أسفرت هذه العمليات عن سقوط آلاف الضحايا من مواطنين الدولة ( ب ) وتدمير المنشآت السكنية والإدارية والإقتصادية والثقافية بستة ( 6 ) مدن ذلك بتعهد القوات العسكرية للدولة ( أ ) توجيه هجمات بالقصف الجوي بواسطة صواريخ " كروز " و توماهوك " والأباتشي وب 52 و " ف 16 " بتعمدها توجيه هجمات ضد مواقع مدنية مع العلم المسبق أن ذلك سيسفر عن خسائر في الأرواح وعن إصاباب فضلا عن إحداث تدمير واسع للمنشآت بمختلف أنواعها السكنية ، الإستشفائية ، التعليمية ، الدينية والتاريخية .

-بتعمدها نهب المنشآت والمتاحف .

-بتعمدها إعتقال الآلاف من مواطني الدولة ( ب ) وإخضاعهم للتعذيب .

وردا على المطالب الدولية بملاحقة قادة الدولة ( أ ) والمعادية أمام المحكمة الجنائية الدولية من أجل إرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتكبة على أراضي الدولة ( ب ) تمسكت الدولة ( أ ) بكونها ليست دولة طرف بالنظام الأساسي للمحكمة ولا تخضع بالتالي لولايتها القضائية .

يرجى من المجموعة الجواب على السؤال التالي :



- 1 - الدولة ( أ ) المعادية ليست عضو بالنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بأي آليات يمكن ملاحقة قادتها قضائيا ؟



ملاحظة : مدة التمرين خمسة عشرة ( 15 ) دقيقة .





المحكمة الجنائية الدولية



تدريب تطبيقي على قواعد وآليات

المحكمة الجنائية الدولية



( حالة إفتراضية عدد 2)







قامت القوات العسكرية للدولة ( أ ) وهي دولة طرف في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بإقتحام إقليم مواقع من تراب الدولة ( ب) وذلك بواسطة قصف بالدبابات والطائرات وأكدت التقارير الموثقة أن القوات العسكرية للدولة ( أ ) قامت بالتوغل في آراضي الدولة ( ب ) بالأليات العسكرية الثقيلة وسط قصف جوي بالطائرات .

كما إقتحمت ذات القوات العسكرية المباني السكنية ووضعت مواد متفجرة في بعضها مما أدى إلى تدميرها بالكامل و عمدت إلى إعتقال عدد كبير من السكان .

وبالتوازي مع ذلك قامت وحدات عسكرية اخرى بتجريف الأراضي الزراعية التابعة للدولة ( ب ) .

وقد أسفرت تلكم العمليات عن سقوط عدد كبير من الضحايا بين قتلى وجرحى .

هذا وتعهدت المحكمة الجنائية الدولية بالدعوى بناءا على طلب دولة طرف بنظام المحكمة فطلبت المحكمة من الدولة المعادية والطرف بنظام المحكمة وتسليمها المشتبه بهم من القادة العسكريين

والمتورطين في الجرائم المشار إليها أعلاه إلا أن الدولة المعادية تمسكت بحقها في بسط ولايتها القضائية الوطنية وتعهد أجهزتها الوطنية بالدعوى دون أجهزة المحكمة الجنائية الدولية مستخدمة في دفعها المبدأ المكمل لولاية المحكمة الجنائية الدولية وإدعت الدولة المعادية بأنها فعلا باشرت التحقيقات بواسطة أجهزتها الوطنية منذ ما يزيد عن السنة وتعهدت بإشعار المحكمة بنتائج التحقيقات والمقاضاة لاحقا .



يرجى من المجموعة الجواب على الأسئلة التالية :



-1 – هل يعد دفع الدولة بمبدأ الدور المكمل للمحكمة الجنائية الدولية وجيها من الناحية القانونية وفق النظام الأساسي للمحكمة ؟ .





-2 – ماهو مجال تدخل المحكمة الجنائية الدولية إزاء هذه الحالة وفق نظامها الأساسي لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب ؟ .





ملاحظة : مدة إنجاز التمرين خمسة عشرة ( 15 ) دقيقة .

















المحكمة الجنائية الدولية



تدريب تطبيقي على قواعد وآليات

المحكمة الجنائية الدولية



( حالة إفتراضية عدد 3)







طلبت المحكمة الجنائية الدولية من دولة طرف بنظامها المحكمة إلقاء القبض على ثلاثة أشخاص من مواطينيها متهمين بإرتكاب جرائم ضد الإنسانية وتسليمهم للمحكمة إلا أن هذه الدولة الطرف إعتذرت عن الإستجابة لطلبات المحكمة بدعوى أن قوانينها الوطنية لا تخول لها إجراءات تسليم مواطنيها إلى محكمة بالخارج .





يرجى من المجموعة الجواب على الأسئلة التالية :



-1 – هل أن إمتناع الدولة عن الإستجابة لطلب المحكمة سليما من الناحية القانونية ؟ .

-2 – ما هي الآليات المخولة للمحكمة الجنائية الدولية لحمل تلك الدولة على الإستجابة لطلباتها ؟ .







ملاحظة : مدة إنجاز التمرين خمسة عشرة ( 15 ) دقيقة









المحكمة الجنائية الدولية



تدريب تطبيقي على قواعد وآليات

المحكمة الجنائية الدولية



( حالة إفتراضية عدد 4)







تعهدت المحكمة الجنائية الدولية بالدعوى بموجب إحالة من مجلس الأمن الدولي فطلبت المحكمة في نطاق إجراءات التحقيق المثارة من دولة غير طرف تعاونها مع أجهزة المحكمة وتسليم مشتبه بهم يقيمون على أراضيها إلا أن هذه الدولة أشعرت المحكمة بعدم إستعدادها للتعاون مبررة ذلك بكونها دولة غير طرف بنظام المحكمة وبالتالي غير ملزمة بالاستجابة لطلباتها .







يرجى من المجموعة الجواب على الأسئلة التالية :





-1 - هل كانت طلبات المحكمة الجنائية الدولية تجاه هذه الدولة غير الطرف وجيهة وسليمة قانونا ؟ .





-2 - كيف سيتسنى للمحكمة الجنائية الدولية أن تتجاوز هذا الإشكال لتفعيل إجراءات التحقيق والمقاضاة بشأن الدعوى المتعهدة بها ؟ .





ملاحظة : مدة إنجاز التمرين خمسة عشرة ( 15 ) دقيقة .

المحكمة الجنائية الدولية (3)

المبدأ الثالث :


شـخصيــة الـمسؤوليـة الــجنائيــة :





من المبادئ الرئيسية في القانون الجنائي مبدأ شخصية المسؤولية الجنائية ذلك أنه بمجرد توفر ركن الإسناد حيال الجرائم المنسوبة للمتهم تكون المسؤولية الجزائية قائمة تجاهه كفرد وبقدر ما يتعدد الجناة في القضية تكون معايير مساءلتهم الجزائية فردية كل حسب مشاركته المباشرة أو غير المباشرة في إرتكاب الجريمة ( فاعل أصلي ، مشارك ، ساهم في الإعداد والتحضير للجريمة ساعد على وقوعها ، كان له علم مسبق بالجريمة ... ) .

ويتعين الملاحظة في هذا الباب بأن مساءلة الأشخاص جزائيا وبصفة فردية لا يرفع عن الدول كذات معنوية مسؤوليتها بموجب القانون الدولي على أن ذلك يدخل في إختصاص محكمة العدل الدولية .





المبدأ الرابع :





عدم الاعتداد بالصفة الرسمية للمتهمين :





إنطلاقا من مبدأ شخصية المساءلة الجنائية وبناءا على طبيعة الجرائم المختصة بها المحكمة والتي تتصل بالسلطة والنفوذ وملكية القرار وحيازة الترسانة العسكرية وغيرها من وسائل التعذيب

والتدمير فإن النظام الأساسي للمحكمة أقر عدم إعتبار الحصانة المتصلة بالصفة الرسمية للأشخاص موضوع التتبع والمقاضاة بتهم تدخل في إختصاص المحكمة وعدم الاعتداد بالصفة الرسمية للأشخاص وهذا من شأنه أن يكرس مبدأ عدم الإفلات من العقاب تحت أي بند من البنود بما في ذلك الحصانة وينص النظام الأساسي في المادة ( 27 ) على أن الصفة الرسمية للشخص على المستويين الوطني والدولي لا تحول دون ممارسة المحكمة لاختصاصها الجزائي حياله .



وما لم يثبت القادة ( السياسيين والعسكريين ) بالحجة القاطعة عدم علمهم بإرتكاب الجرائم الصادرة عن مرؤسيهم ، وما لم يثبتوا بالحجة القاطعة سابقية إتخاذهم تدابير وإجراءات إدارية وقضائية لمنع إرتكاب تلكم الجرائم فإنهم يدخلون تحت طائلة المساءلة الجزائية أمام المحكمة بصفتهم الشخصية .



وعليه فإن أحكام المادة ( 27 ) من النظام الأساسي للمحكمة وضعت حدا للتحصن المزدوج

( السلطة / الافلات من العقاب ) الذي ظل يتمتع به بعض الحكام في العالم .

هذا وتستوجب ممارسة المحكمة لإختصاصها إقامة آليات وإجراءات يتعين إستخدامها كيفما وردت بأحكام النظام الأساسي وبمدونة القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات .



الباب الثاني :



آليات ممارسة إختصاص المحكمة الجنائية الدولية :





إن دراسة آليات المحكمة الجنائية الدولية تقتضي إستعراض عدة أجهزة تواكب سير التحقيقات والمقاضاة ، ونظرا للبعدين الدولي والجنائي للمحكمة فإن وظائفها وإجراءتها معقدة لا محالة نتيجة تدخل وتداخل عدة أطرف وأجهزة طيلة مراحل التحقيقات والمقاضاة .

وقد حدد نظام المحكمة مجالات تدخل أو تداخل كل طرف أو جهاز خلال مباشرتها لوظيفتهـا القضائية ، ونعني الأجهزة الأتي بيانها :







(الوحدة الأولى ) (الوحدة الثانية )



- المدعي العام القضاة

- المسجل GREFFE ( ضبط المحكمة) - رئاسة المحكمــة

- الدائرة التمهيدية

- الدائرة الإبتدائية

- الإستئناف







(الوحدة الثالثة ) (الوحدة الرابعة )



- الدول الأطراف - المنظمات غير الحكومية

- الدولة غير الطرف - مصادر اخرى موثوق بها

- أجهزة منظمة الأمم المتحدة

- المنظمات الحكومية







(الوحدة الخامسة ) (الوحدةالسادسة)



- المتهمون - الدفاع ( عن المتهمين ) .

- الضحايا - الممثل القانوني ( للضحايا )

- الشهود



(الوحدة السابعة )



المترجمون

الخبــــــراء







نلاحظ إذن أنه ما لايقل عن سبعة وحدات تسجل حضورها في سير التحقيقات والمقاضاة لدى المحكمة الجنائية الدولية ، وتعهد المحكمة بالبت في الدعاوى المرفوعة إليها يجري بمقتضى أحكام النظام الأساسي من جهة وعملا بالقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات من جهة اخرى .



ويتعين الإشارة في هذا الشأن بأن مدونة القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات وهي دليل إجرائي للمحكمة تم إعتماده من طرف جميعة الدول الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية

الدولية في دورتها الأولى المنعقدة في نيويورك خلال الفترة من 3 إلى 10 سبتمبر 2002 ويشمل الدليل الإجرائي للمحكمة ما لايقل عن ( 225 ) قاعدة إجراء وإثبات .



هذا وقد ورد الدليل الإجرائي مرفق بمذكرة تفسيرية تنص على ما يلي » تعد القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات وسيلة لتطبيق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وتابعة له في جميع الحالات ويتمثل الهدف منها في تدعيم أحكام النظام وقد أوليت العناية لدى بلورة القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات إلى تفادي إعادة صياغة أحكام النظام الأساسي وعدم القيام قدر المستطاع بتكرارها .. وتضمنت القواعد حسب الإقتضاء إشارات مباشرة إلى النظام الأساسي وذلك من اجل تأكيد العلاقة القائمة بين القواعد الإجرائية والنظام الأساسي على النحو المنصوص عليه في المادة 51 وخاصة الفقرتان 4 و 5 وينبغي في جميع الأحوال قراءة القواعد وقواعد الإثبات بالإقتران مع أحكام النظام ورهنا بها .

ولاتمس القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات للمحكمة الجنائية الدولية بالقواعد الإجرائية المعدة لأي محكمة وطنية ولا بأي نظام قانوني وطني لأغراض الإجراءات الوطنية « .



وعملا إذن بأحكام النظام الأساسي للمحكمة وبمقتضى دليل القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات نستعرض إشكالية الدور المكمل للمحكمة الجنائية الدولية (1 ) ثم آليات تدخل كل من المدعي العام والدائرة التمهيدية في أطوار التحقيق والمقاضاة :( 2 ) . هذا وتسجل الدول الأطراف حضورها في آليات ممارسة الإختصاص : ( 3) . فضلا عما يقره النظام الأساسي للمحكمة ودليل قواعدها الإجرائية من تكريس معايير المحاكمة العادلة : (4 ) .

على انه يإعتبار تاريخية الحدث المتصل بتسلم أول مدعي عام بالمحكمة لمهامه بصفة رسمية بعد إنتخابه من الدول الأطراف وقد تم ذلك بتاريخ 16 جوان 2003 بلا هاي أين ادي المدعي العام التعهد الأتي بيانه " أتعهد رسميا بأن أؤدي مهامي وأمارس سلطاتي بوصفي المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية بشرف وإخلاص ونزاهة وأمانة وبأن أحترم سرية التحقيقات والمحاكمة ( تعهد منصوص عليه بدليل القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات القاعدة عدد 6 ) .



هذا ويحتفظ بالتعهد الموقع والذي يكون شاهدا عليه رئيس المحكمة أو رئيس مكتب جمعية الدول الأطراف في قلم المحكمة وفي سجلاتها .

يتعين أن نقدم نبذة من السيرة الذاتية لأول مدعي عام لدى المحكمة الجنائية الدولية وهو السيد لوي مورينو أوكامبو LUIS MARENO OCAMPO أرجنتيني الجنسية تم إنتخابه في شهر أفريل 2003 من جمعية الدول الأطراف بنظام المحكمة ( اختياره تم بوفاق الدول الأطراف بإعتباره المرشح الوحيد لهذا المنصب ) .

والسيد لوي مورينو أو كامبو أشتهر في مجال مكافحة الجرائم الأكثر خطورة بالأرجنتين ذلك أنه أثار تتبعات ضد تسعة قادة عسكريين بالأرجنيتن في الثمانينات بتهم ممارسة التعذيب والقتل ذهب ضحيتها آلاف المواطنين بالأرجنتين ( في فترة الحرب القذرة ) وقد باشر مهمة النيابة في هذه القضية طيلة ستة أشهر كاملة تلقى خلالها شهادات 835 شخص بشأن تلكم الجرائم الخطيرة معتمدا على إفادات لجان مستقلة ضرورة أن أجهزة الأمن بالأرجنتين كانت آنذاك خاضعة كليا للسلطة العسكرية .

وعليه فإن أول مدعي عام للمحكمة يملك خبرات هامة في مجال التحقيقات الجنائية المتصلة بالجرائم الخطيرة .

يبقى أن ننتظر أداءه بجهاز المحكمة الجنائية الدولية حيث سيواجه مهام جسيمة ومعقدة جدا .





-1- إشكالية الدور المكمل للمحكمة الجنائية الدولية :





أكدت ديباجة النظام الأساسي للمحكمة على " أن هدف المحكمة أن تكون مكملة للنظم القضائية الوطنية في الحالات التي قد لا تكون إجراءات المحاكمة على الصعيد الوطني متاحة أو تكون عديمة الفعالية " .

كما تضمن النظام الأساسي للمحكمة عدد من الفصول التي تكرس هذا الإجراء التكميلي للمحكمة في الحقيقة كان هذا الإشكال موضوع جدل كبير بين واضعي النظام الأساسي خلال المداولات وأعمال اللجان على أن أغلبية الدول تبنت مبدأ الإجراء المكمل للمحكمة بالنسبة للمحاكم الوطنية .

وكان طبيعيا أن تثير هذا المسألة جدلا كبيرا في صفوف واضعي النظام الأساسي للمحكمة ضرورة أن الدول تتمسك في كل الحالات بمبدأ السيادة والذي يشمل إجراءات بسط ولايتها القضائية الوطنية في مقاضاة الجناة وفي الواقع فإن تمسك الدول بمبدأ السيادة يعد دفع سياسي بالأساس على أن مبادئ مدرجة بالقانون الدولي ( الإتفاقيات والمعاهدات ) التي تشدد على إختصاص المحاكم الوطنية بالتعهد بالجرائم التي تشكل خرقا لقوانين النزاعات المسلحة أو الجرائم

ضد الأنسانية أو جرائم الإبادة وغيرها على أن تفوق الموقف المتصل بالصبغة المكملة للمحكمة الجنائية الدولية حيال المحاكم الوطنية من شأنه إثارة التساؤلات الأتية :



- لماذا تعاملت الدول خلال مناقشة مشروع النظام الأساسي للمحكمة بمنطق التصادم بين النظام القضائي الدولي والنظام القضائي الوطني ؟ .



- هل يشفع للدولة تمسكها بمبدأ السيادة لتبرر أفضلية القضاء الوطني على القضاء الدولي إلى حد التفاعل مع هذا الأخير على خلفية قضاء أجنبي وليس قضاء دولي .



على كل لقد فرضت الدول الواضعة للنظام الأساسي موقفها المتصل بالدور المكمل للمحكمة الجنائية الدولية بالنسبة للقضاء الوطني إلا أنه بالرجوع إلى مبدأ السيادة ذاته العزيز جدا على الدول نلاحظ بأن الانضمام إلى أي معاهدة دولية أو جهاز أو إقتصادي أو حتى قضائي يشكل في حد ذاته ممارسة سيادية بالأساس ضرورة أنه تلقائيا وليس قصريا ! .



إن إستخدام آليات التوقيع والمصادقة يترجم السيادة بعينها على أن تلكم الأليات تفرز بالضرورة إلتزامات دولية تقتضيها أحكام القانون الدولي ولئن أدرج القانون الدولي آلية التحفظات في الإتفاقيان الدولية لتيسير إنضمام أكثر عدد ممكن من الدول لتلكم الإتفاقيات والمعاهدات والأجهزة الدولية ، إلا أن التحفظ لا يمكن أن يترتب عنه إفراغ الإتفاقية الدولية من مض مضمونها الجوهري وأهدافها الأساسية حتى لا تعدم وهي في طور الولادة بدعوى التمسك بمبدأ السيادة وما يترتب عنه من أحقية إستخدام آلية التحفظات لا جدال في إستمرار التصادم بين مبدأي السيادة والإلتزام في العلاقات الدولية والذي ألقى بضلاله وضع الصيغة النهائية للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية .

على أنه بالرجوع إلى قانون المحكمة نلاحظ بأنه خلص إلى فرض شروط إجرائية بشأن قبول مبدأ إختضاص المحاكم الوطنية بدرجة أولى بالمقاضاة في الجرائم التي تدخل في إختصاص المحكمة الجنائية الدولية وفي حالة إنعدام هذه الشروط أو الإخلال بها تحت أي ظرف من الظروف فإنه على المحكمة الجنائية الدولية بسط ولايتها القضائية في هذا الباب .

وهذه الشروط تتمثل في الإجراءات التالية :



-1 - إجراء التحقيق أو المقاضاة بشأن ذات الدعوى من طرف دولة لها الولاية القضائية على

تلك الدعوى .

-2 - سابقية إجراء التحقيق في الدعوى من طرف دولة لها ولاية عليها وقرر جهازها القضائي محاكمة المتهمين أو براءتهم ( تكريس المبدأ القانوني المتصل بعدم محاكمة شخص مرتين بشأن ذات الجريمة ) .

-3 - إذا لم تكن الدعوى على درجة من الخطورة بها يجعلها تدخل تحت طائلة الجرائم التي تختص بها المحكمة الجنائية الدولية .



على أن هذه الشروط التي تمنح للقضاء الوطني الولاية القضائية الأصلية لا تمنع المحكمة الجنائية الدولية من ممارسة دور المراقب لسلامة الإجراءات القضائية الوطنية بما يكفل ملاحقة الجناة وإقامة العدالة وعليه فإذا ثبت بأن التحقيقات أجريت على المستوى الوطني بعرض حماية المتهمين من المساءلة الجزائية بشأن جرائم تدخل في إختصاص المحكمة الجنائية الدولية أو حدث يدل على عدم الرغبة في محاكمة المتهم ويهدف بالتالي إلى تيسير إفلاته من العقاب فإن المحكمة لجنائية الدولية تستخدم إختصاصها في التعهد بالدعوى .

ليبقى أن نلاحظ بأن عدم الرغبة مطلقا في ملاحقة مرتكبي الجرائم الخطيرة أو إنهيار النظام القضائي الوطني للدولة ، يفضي إلى بسط الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية .



-2- الدور الرئيسي للمدعي العام والدائرة التمهيدية :





تحدد أحكام النظام الأساسي الأطراف المخولة بممارسة الاختصاص أو بالأحرى بإثارة الدعوى لدى المحكمة وهي كالأتي :





-1 إحالة من دولة طرف حالة إلى المدعي العام تبدو فيها إرتكاب جريمة أو جرائم تدخل في إختصاص المحكمة المادة ( 14 ) .



2 -إحالة من طرف مجلس الأمن الدولي مستخدما أحكام الفصل السابع من

ميثاق منظمة الأمم المتحدة وتكون الإحالة كذلك إلى المدعي العام .



3 -مباشرة المدعي العام التحقيق من تلقاء نفسه على أساس معلومات واردة

بشأن حصول جرائم تدخل في إختصاص المحكمة وشروع المدعي العــام في

إجراء التحقيق يكون رهين إذن صادر عن الدائرة التمهيدية للمحكمـة يجيز

إجراء التحقيق ( المادة الخامسة عشر 15 )



إن التقييد الوارد بأحكام المادة ( 11 ) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بشأن الاختصاص الزمني يثير لا محالة إشكالا إجرائيا يخول لمرتكبي الجرائم الأشد خطورة والواقعة قبل دخول نظام المحكمة حيز النفاذ يخول لهم الإفلات من العقاب مالم يبدي مجلس الأمن الدولي رغبة في إثارة ملاحقتهم بآلية المحاكم الدولية الخاصة على أن الحل القانوني لهذا الأشكال الإجرائي قد يكمن في تقديرنا في الإحتكام لمعايير الجريمة المستمرة التي يمكن للمحكمة إستخدامها لبسط ولايتها القضائية على جرائم لا تزال ترتكب كالجرائم الصادرة عن الإحتلال الإسرائيلي بفلسطين وبلبنان والجرائم الصادرة عن المحتل الأمريكي بالعراق.

وبالرجوع إلى الأطراف المخولة بإستخدام الأليات طبق ما ورد بالنظام الأساسي للمحكمة نلاحظ دورا هاما للمدعي العام ولهئية الدائرة التمهيدية وكذلك الدول الأطراف .

فالمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يعد الجهة الرئيسية في تفعيل إثارة الدعوى بناءا على إحدى وسائل الإحالة المشار إليها أعلاه .

فحال إشعاره بحصول جرائم مما يدخل في إختصاص المحكمة يباشر المدعي العام فتح التحقيقات بشأن تلكم الجرائم والمصادر التي يعتمدها المدعي العام تكون :





-1- الدول –2- أجهزة الأمم المتحدة –3- المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية أو

أي مصـادر مـوثـوق بهـا



نلاحظ إذن بأن إثارة الدعوى من لدن المدعي العام تكون  بطلب ( فهو مفوض ).

 أصالة (من تلقاء نفسه ) .





هذا ويجوز للمدعي العام تلقي الشهادات التحريرية أو الشفوية بمقر المحكمة ، في نطاق مباشرته لأعمال التحقيق على أن مباشرة التحقيق الفعلي بشأن الجرائم موضوع الدعوى يقتضي تدخل جهاز الدائرة التمهيدية للمحكمة وذلك حيال قبول إجراء التحقيق أو رفضه ، ونلاحظ في هذا الباب أهمية الصلاحيات المخولة للدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية ضرورة أنها تشكل هيئة تحقيق تواكب بإستمرار إجراءات المدعي العام ، وقد قضت المادة ( 57 ) من النظام الأساسي للمحكمة بأن تتخذ الدائرة التمهيدية الأوامر والقرارات المتصلة بالقضية حال مباشرة المدعي العام لمهام الملاحقة القضائية ذلك أن الدائرة التمهيدية تصدر في أي وقت بعد الشروع في التحقيق وبناءا على طلب المدعي العام أمرا بالقبض على المتهم إذا إقتنعت بعد فحص الطلب والأدلة وسائر المعلومات الأخرى المقدمة من المدعي العام بوجود :



- أسباب كافية من شأنها تجريم الشخص المعتقل بجريمة تدخل في إختصاص المحكمة .

- أن القبض على الشخص يبدو ضروريا .

- لضمان حضوره أمام المحكمة .

- لضمان عدم قيامه بعرقلة التحقيق أو إجراءات المحاكمة .



هذا ويتعين في هذا الباب على المدعي العام مد الدائرة التمهيدية ببيانات دقيقة متصلة بإسم الشخص المتهم وأي معلومات اخرى خاصة بهويته مع إشارة إلى الجرائم التي تدخل في إختصاص

المحكمة كالإدلاء بمذكرة بشأن الوقائع المتصلة بارتكابه لتلك الجرائم وتكون هذه الأخيرة موثقة بالأدلة وأي معلومات اخرى تثبت إرتكاب تلك الجرائم .

على أن تعهد المدعي العام والدائرة التمهيدية بالتحقيقات قد يتم إرجاءه بناءا على مذكــرة من مجلس الأمن الدولي توجه للمحكمة بهذا المعنى ويكون ذلك بموجب قرار صادر عن المجلس وفق الفصل السابع من منظمة الأمم المتحدة ويكون ذلك واردا في حالة تعهد المحكمة بالدعوى بموجب إحالة من مجلس الأمن .









آليات مقيدة بإذن أو إرجاء  بقبول الدائرة التمهيدية .

 بإمكانية طلب إرجاء صادر عن مجلس الأمن الدولي .





وللدائرة التمهيدية أن ترفض للمدعي العام طلب إجراء تحقيق بشأن وقائع وإنتهاكات يرى هذا الأخير أنها قد تدخل في إختصاص المحكمة على أن رفض الدائرة التمهيدية الإذن للمدعي العام بإثارة التحقيق لا يحول دون تقديم المدعي العام لطلب ثاني في ظل توافر معلومات وأدلة جديدة بشأن نفس الحالة وفي القابل يتعين الإشارة بأن البدء في إجراء التحقيقات من طرف المدعي العام لا يحسم المسألة الإجرائية نهائيا ذلك أنه للمحكمة خلال تعهدها بالملف أن تبت في مسألة الاختصاص ومقبولية الدعوى الفقرة الرابعة من المادة ( 15) من النظام الأساسي.

هذا وتقتضي القاعدة عدد ( 45 ) من دليل الإجراءات الخاص بالمحكمة أن تكون إحالة المدعي العام للملف كتابية كما تنص القاعدة عدد (10) على مسؤولية المدعي العام حيال الاحتفاظ بالمعلومات والأدلة والحفاظ على سريتها وكذلك سرية الشهـادات التي يتلقاها :

القاعدة عدد( 46 ) .





وعليه يترتب عن ذلك المبدأ الأتي : للمحكمة الكلمة الفصل في مسألة

الاختصاص ومقبولية الدعوى

( من تلقاء نفسها أو بطلب )

-3- آليات المقاضاة المخولة للدول الأطراف :





وتقتضي أحكام المادة ( 17 ) من النظام الأساسي بأن تقرر المحكمة عدم مقبولية الدعوى في الحالات التالية :





1- إجراء تحقيق أو مقاضاة بشأن ذات الدعوى من طرف دولة لها ولاية عليها ( مالم تكن الدولة حقا غير راغبة في الاضطلاع بذلك أو غير قادرة على ذلك ) .



2 - إذا تم إجراء تحقيق في الغرض وقررت الدولة عدم المقاضاة ( ما لم يكن القرار ناتجا عن عدم رغبة أو قدرة حقا في المقاضاة ) .



فبناءا على كون المقاضاة من طرف الجهاز القضائي الدولي تعد مكملة للإجراءات الوطنية فإن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أقر صلاحية تعهد الدولة بالملاحقة والمقاضاة في نطاق ولايتها القضائية ضد الأشخاص الضالعين في إرتكاب جرائم تدخل في إختصاص المحكمة الجنائية الدولية .

ذلك أنه على المدعي العام واجب إشعار الدول بإعتزامه فتح تحقيق طالما أن الدول الأطراف تشكل وحدة رئيسية في جهاز المحكمة طبق نظامها الأساسي فإن تدخلها في آليات الملاحقة وارد ضرورة أن المدعي الـعام للمحكمـة وفي نـطاق تـعهده بالتـحقيق يهدف من خلال إشعاره

للدول إلـــى :



• حمايـة الأشخــاص

• حماية الأدلة من التـلف

• لعدم فرار المتهم أو المتهمين



وحال إشعارها من طرف المدعي العام بفتح تحقيق يمكن للدولة التي يكون المشتبه فيهم من رعاياها أن تعلن فتح تحقيق ضدهم مع إعلام المدعي العام بذلك ويمنحها هذا الأخير حق البت بشرط موافقة الدائرة التمهيدية .

ويحق للدولة المعنية أن تتمسك بهذا الأجراء استنادا إلى مقتضيات النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والتي تقر بالطبيعة المكملة للجهاز القضائي الدولي ضرورة أن المبدأ هو تعهد القضاء الوطني للدولة بملاحقة الضالعين في الجرائم الخطيرة من بين مواطنيها .

إن هذا الأجراء المخول للدولة الطرف قد يثير جدلا بشأن مخاطر تهميش وظيفة المحكمة الدولـية الجنائية إختصاصا وآليات نتيجة تعهد الدولة بالملاحقة ولكن النظام الأساسي للمحكمة إستوعب هذه المخاطر فأقر أحكاما تخول للمدعي العام ممارسة حق المراقبة حيال هذه الدولة بشأن جديـة التتبعات المثارة من طرف أجهزتها الوطنية ، وذلك بمطالبتها بتقديم إفادات منتظمة بشأن التحقيقات الجارية .

كما أن تعليق التحقيق من طرف المدعي العام لا يمنعه من الاستئذان من المحكمة قصد :





1 -إتخاذ إجراءات للمحافظة على أدلة هامة قد يستهدفها الإتلاف أو يفترض ألا تتوفر .

2 -تسجيل تصريحات أو شهادة من شاهد أو إتمام عملية جمع وفحص الأدلة التي كان قد باشرها قبل إثارة الطعن بعدم الاختصاص من أحد الأطراف .



3 - ضمان عدم فرار الأشخاص موضوع طلب بإلقاء القبض عليم من طرف المدعي العام عملا بأحكام المادة ( 58 ) من النظام الأساسي ( أمر الإيقاف يكون صادر عن الدائرة التمهيدية ) .



وعليه ولئن خول النظام الأساسي للمحكمة لجنائية الدولية للدول حق التعهد أصالة بالتحقيقات والملاحقة القضائية بواسطة أجهزتها الوطنية إلا أنها تخضع لواجبات حيال الجهاز القضائي الدولي حيث يتعين عليها حماية الضحايا والمحافظة على المعلومات والاستخبارات التي تكون بحوزتها والاستجابة لطلبات إيقاف المتهمين وتسليمهم للمحكمة الدولية في صورة التعهد الرسمي للقضاء الدولي المادة ( 91 ) .

وفي حالة تلدد الدولة في التعاون مع المحكمة وتقاعسها عن تقديم الخدمة المطلوبة يتم إشعار الدول الأطراف في نظام المحكمة أو مجلس الأمن الدولي المادة ( 87 ) .

وفي الحقيقة فإن الإشكالية الأكبر تكمن في فرضية تمسك الدولة بمبدأ حماية أمنها الوطني ضرورة أن واجب المد بالمعلومات قد يترتب عنه كشف أسرار تمس من مصالحها الوطنية إلا أن واضعو النظام الأساسي أقرو بمقتضى المادة ( 72 ) بأن يتم السعي إلى حل هذه الإشكالية بمبدأ التعاون بين مختلف الأجهزة : المدعي العام ومحامو الدفاع والدائرة التمهيدية أو المحكمة من جهة والدولة المعنية من جهة اخرى ، ويتم ذلك بتعديل الطلب الصادر عن المحكمة للدولة أو توضيح ذلك

الطلب ، كما يتم بواسطة قرار صادر عن المحكمة بشأن مدى صلة تلك المعلومات أو الأدلة بمجريات القضية وما إذا كان يمكن فعلا الحصول عليها من مصادر اخرى بالإضافة إلى إمكانية

تقديم المعلومات المتصلة بالأمن الوطني للدولة في صيغة موجزة عند الاقتضاء في جلسات مغلقة .

على أن الإشكالية تتعمق أكثر في صورة تمسك الدولة المعنية بمبدأ سرية المعلومات لاتصال هذه المعلومات بعلاقة مع دولة اخرى غير طرف بنظام المحكمة ، في هذه الحالة يجوز للدولة المعنية حجب الوثيقة أو المعلومات لوجود التزام سابق من جانبها إزاء الدولة الأخرى بالحفـاظ عـلى

السرية ، وفي كل الحالات فإن الممارسة الفعلية لأليات المحكمة حال تعهدها بالدعاوى التي تدخل في اختصاصها ستفضي إلى حسم قضاة المحكمة بدرجاتها المختلفة في هذه الأشكالات الإجرائية المعقدة .

ولعل هيئات الدفاع عن الضحايا ستلعب دورا هاما في هذا الباب من أجل تكريس مبادئ العدالة والأنصاف في مواجهة كل المناورات المفترضة والتي من شأنها إعاقة تحقيق تلكم المبادئ على أن مبدأ إجراء محاكمة عادلة للمتهمين يعد هو الأخر مبدأ أساسيا يتعين إحترامه دون أي قيد أو شرط ، وفي هذا الباب أقر النظام الأساسي للمحكمة حماية الحق في الدفاع .





-4–حماية معايير المحاكمة العادلة :





تنص اللوائح التي تحكم سير عمل المحكمة على تمكين محامي الدفاع من الحصول على المساعدة الإدارية المناسبة والمعقولة من قلم المحكمة القاعدة عدد ( 14 ) .

وذلك خدمة لحقوق الدفاع و تماشيا مع معايير المحاكمة العادلة حسب التعريف الوارد في النظام الأساسي للمحكمة .

ويقتضي النظام الأساسي تقديم المساعدة والمعلومات لجميع محامي الدفاع الذين يباشرون واجبهم المهني أمام المحكمة كما تقتضي ذات الأحكام مساعدة الخبراء ليكون الدفاع فعالا ومن المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة هو مساعدة الأشخاص الذين ألقي عليهم القبض في الحصول على المساعدة القانونية وخدمات الدفاع ، كما يتعين إبلاغ المدعي العام ودوائر المحكمة عند الاقتضاء بالمساءل والأشكالات المتعلقة بالدفاع .

هذا ويضمن قانون المحكمة للدفاع بفرعيه ( دفاع الضحايا ودفاع المتهمين ) الاطلاع على سائر الأدلة مع إمكانية استجواب الشهود الواقع سماعهم مباشرة أو بواسطة تكنولوجيا الاتصال السمعي أو المرئي ، وفي حالة سابقية تسجيل الشهادة يتعين أن تتاح الفرصة للدفاع للأطـلاع

عليها ، كما يجب على المدعي العام أن يقدم للدفاع أسماء الشهود الذين ينوي إستجوابهم كما يجب عليه تقديم نسخ من البيانات التي أدلوا بها سابقا ويتم ذلك قبل بدء المحاكمة بمدة معقولة لتمكين المحامين من إعداد وسائل الدفاع ، وعليه أن يمكن الدفاع من فحص كل الأدلة التي تكون بحوزته ( الكتائب – المستندات – الصور –وأي أشياء مادية اخرى ) القاعدة عدد ( 77 )

وفي المقابل يتيعن على الدفاع تمكين المدعي العام من فحص أي كتائب أو سندات أو صور تكون في حوزة الدفاع ويعتزم هذا الأخير إستخدامها كأدلة في جلسة إقرار التهم أو عند المحاكمة .



وتكفل ضمانات الدفاع الكشف عن سائر الأدلة بما فيها ما تم حجبه لسرية المعلومات وذلك قبل انعقاد جلسة إقرار التهم من طرف الدائرة التمهيدية للمحكمة، وللمتهم الذي تم إلقاء القبض عليه كل الضمانات بشأن إطلاعه على كل إجراءات الإيقاف ويكفل النظام الأساسي للمتهم تلقي نسخة من أمر القبض عليه الصادر عن الدائرة التمهيدية طبق أحكام المادة ( 58 ) وتتاح الوثائق بلغة يتكلمها المتهم جيدا بالإضافة إلى حقه في استخدام إجراءات الطعن في سلامة أمر الإيقاف وتبت الدائرة التمهيدية في ذلك الطعن دون تأخير وذلك بعد تلقي رأي المدعي العام وعملا بأحكام المادة ( 67 ) من النظام الأساسي يتعين سماع المتهم بجلسة عمومية وإعلامه بكل الأدلة القائمة ضده وتمتعه بمهلة زمنية معقولة لأعداد دفاعه وتمكينه من الإدلاء بأدلة إضافية متصلة ببراءته مع تمتعه مجانا بخدمة الترجمة خلال سائر إجراءات المحاكمة .

هذا وتقتضي أحكام النظام الأساسي للمحكمة حماية الضحايا والشهود مما قد يتعرضون له من مخاطر بسبب الإدلاء بتصريحاتهم أمام أجهزة المحكمة .



ويتعين الإشارة في هذا الباب إلى إنشاء وحدة لحماية هؤلاء ضمن قلم المحكمة وتوفر هذه الوحدة بالتشاور مع مكتب المدعي العام تدابير الحماية والترتيبات الأمنية والمساعدة الملائمة وتضم الوحدة موظفين من ذوي الاختصاص في مجال الصدمات النفسية كما تحمي هذه الوحدة المجني عليهم كذلك .

أما على مستوى سير المحاكمة فنلاحظ بأن الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية وهي ( هيئة تحقيقية ) تعقد جلسة لإعتماد التهم ضد المشتبه بهم وتكفل هذه الجلسة إحترام كل معايير المحاكمة العادلة ضرورة أنها تنعقد خلال أجال معقولة بعد تقديم المتهم إلى المحكمة أو حضوره من تلقاء نفسه أمام جلسة إعتماد التهم مع الملاحظة في هذا الباب بأن الدائرة التمهيدية يمكنها عقد الجلسة في غياب المشبوه فيه وذلك في حالة :



-1 – تنازله في حقه عن الحضور .

-2 – في حالة فرار المتهم أو عدم العثور عليه مع التأكد طبعا من إتخاذ كل الإجراءات القانونية لضمان حضوره أمام المحكمة ولإبلاغه بالتهم المنسوبة إليه كإبلاغه بموعد الجلسة .

كما تدقق الدائرة التمهدية في جلسة إعتماد التهم في سائر أدلة الإثبات بشان الجريمة المرتكبة والمنسوبة للمشبوه فيه تدقيقا يكفل إحترام معاير المحاكمة العادلة .



وعليه وفي حال ثبوت التهم تقرر الدائرة التمهيدية إقرار التهم المنسوبة للمشبوه فيه بجلسة إقرار التهم يحال بمقتضاها الشخص أو الأشخاص الواقع تتبعهم على المحاكمة أمام المحكمة .

على مستوى المحاكمة تنعقد المحاكمات مبدئيا بمقر المحكمة ( بلاهاي ) وذلك وفق أحكام المادة 62 من النظام الأساسي للمحكمة التي تقتضي بأن المحاكمات تجري بمقر المحكمة مالم يتقرر غير ذلك .



ويتعين على المحكمة المتعهدة بالقضية تلاوة سائر التهم المعتمدة من طرف الدائرة التمهيدية على المتهم ويتعين عليها كذلك وفق النظام الأساسي تأمين علم المتهم بطبيعة التهم المنسوبة إليه ومنحه كامل الفرصة لإعترافه بإرتكاب الجريمة أو إنكاره لأي جرم منسوب إليه على أن إقرار المتهم بالتهم المنسوبة إليه لا يكفي لوحده للقضاء بإدانته من طرف المحكمة ضرورة أنه يتعين أن يكون الإعتراف بالتهمة معززة بوقائع الدعوى وبأدلة وقرائن قاطعة .

ولا تصدر المحكمة حكمها في الدعوى إلا بعد إستكمال سائر الإجراءات التي يقتضيها النظام الأساسي ودليل قواعد الإجراءات والإثبات وخاصة بالإستماع إلى طلبات الإدعاء العام وإستدعاء شهود الإثبات وشهود النفي ثم الإستماع إلى الدفاع ، ثم تختلي المحكمة في مداولات سرية لتصدر قرارها إما بالإجماع أو بأغلبية الأعضاء ويتعين أن يكون الحكم معللا تعليلا كاملا

ويتم التصريح به بجلسة علانية .

ولتأمين كامل معايير المحاكمة العادلة أقر النظام الأساسي للمحكمة مبدأ الطعن بإستناف القرارات الصادرة عن المحكمة الإبتدائية ( تكريس مبدأ التقاضي على درجتين .

هذا ونلاحظ بهذا الصدد بأن إمكانية الإستئناف مخولة للإدعاء العام وللمتهم على حد سواء .

وفي باب العقوبات سبق وأن أشرنا لاحقا بأن المحكمة مقيدة وفق أحكام النظام الأساسي بإصدار العقوبات التالية :

- 1 – السجن لمدة أقصاها ثلاثين سنة .

- 2 - السجن المؤبد .

- 3 – فرض الغرامات .

- 4 – مصادرة عائدات ممتلكات المتهمين والمتأتية بشكل مباشر أو غير مباشر من الجرائم المنسوبة للمتهم .



بعد إستعراض جانب من المساءل المتصلة بالقضاء الدولي في مجال حقوق الإنسان وخاصة نظام المحكمة الجنائية الدولية والتي لئن أخذت الحيز الأكبر في هذه المداخلة فلأنها تشكل تحولا نوعيا هاما في مجال مقاضاة مرتكبي أشد الجرائم خطورة ، ضرورة أن إنشاء المحاكم الدولية الخاصة يكون بحوزة مجلس الأمن الدولي والحال أن طبيعته وتركيبته لا تؤمن بشكل سليم إقامة العدالة الدولية .

وفي المقابل فإن إقامة المحكمة الجنائية الدولية الدائمة كانت وليدة إتفاقية دولية شهدت إنضمام ما لايقل عن مائة دولة وهذا من شأنه أن يلزم الدول الأطراف بالسعي لإقامة العدالة الدولية على على أن فاعلية هذا الجهاز القضائي الدولي يبقى رهين مصادقة كل دول العالم على نظامه الأساسي بعنوان التزام دولي بتكريس حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحمايتها من كل أشكال الانتهاكات ، وإن هذه الخطوة لا تمس بمبدأ سيادة الدول وسيادة ولايتها القضائية الوطنية ضرورة أن الدفع بموقف سيادي حيال تعهد جهاز قضائي دولي بالبت في الجرائم الشديدة الخطورة يعد انتهاكا في حد ذاته لحقوق الإنسان .



جويلية 2006

نزيهـة بـوذيـب

المحامية بتونس

القضاء الدولي في مجال حقوق الإنسان : ( 2 )

• جرائـــــم الحرب :



وتتصل أركانها بمجرد حصول إنتهاكات جسيمة لإتفاقيات جينيف المؤرخة في 12 أوت 1949 وذلك بالاعتداء على المدنيين وممتلكاتهم كما تقوم أركانها بحصول إنتهاكات خطيرة للقوانين والأعراف السارية المفعول خلال النزاعات المسلحة .

( أ ) يكون للمحكمة إختصاص فيما يتعلق بجرائم الحرب ولا سيما عندما ترتكب في إطار خطة أو سياسة عامة أو في إطار عملية إرتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم .

لغرض هذا النظام الأساسي تعني جرائم الحرب :

( أ ) الإنتهاكات الجسيمة لإتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أوت 1949 أي فعل من الأفعال التالية ضد الأشخاص أو الممتلكات الذين تحميهم أحكام إتفاقية جنيف ذات الصلة .

( 1 ) القتل العمد .

( 2 ) التعذيب أو المعاملة اللا إنسانية بما في ذلك إجراء تجارب بيولوجية .

( 3 ) تعمد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق لدى خطير بالجسم أو بالصحة .

( 4 ) إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والإستيلاء عليها دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك وبالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة .

( 5 ) إرغام أي اسير حرب أو أي شخص أخر مشمول بالحماية على الخدمة في صفوف قوات دولة معادية .

( 6 ) تعمد حرمان أي أسير حرب أو أي شخص آخر مشمول بالحماية من حقه في أن يحاكم محاكة عادلة ونظامية .

( 7 ) الإبعاد أو النقل غير المشروعين أو الحبس غير المشروع أخذ رهائن .

( ب ) الإنهاكات الخطيرة الأخرى للقانونين والأعراف السارية على المنازاعات الدولية المسلحة في النطاق الثابت للقانون الدولي أي فعل من الأفعال التالية :

( 1 ) تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية .

( 2 ) تعمد توجيه هجمات ضد مواقع مدنية أي المواقع التي لا تشكل أهدافا عسكرية .

( 3 ) تعمد شن هجمات ضد موظفين مستخدمين أو منشآت أو مواد أو إحداث أو مركبات مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام عملا بميثاق الأمم المتحدة ما داموا يستحقون الحماية التي توفر للمدنيين أو للمواقع المدنية بموجب قانون المنازعات المسلحة .

( 4 ) تعمد شن هجوم مع العلم بأن هذا الهجوم سيسفر عن خسائر تبعية في الأرواح أو عن إصاباب بين المدنيين أو عن إلحاق أضرار مدنية أو إحداث ضرر واسع النطاق وطويل الأجل وشديد للبيئة الطبيعية يكون إفراطه واضحا بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية المتوقعة الملموسة المباشرة .

( 5) مهاجمة أو قصف المدن أو القرى أو المساكن أو المباني العزلاء التي لا تكون أهدافا عسكرية بأية وسيلة كانت .

( 6 ) قتل أو جرح مقاتل إستسلم مختارا يكون قد ألقى سلاحه أو لم تعد لديه وسيلة للدفاع .

( 7 ) الإمدادات الغوثية على النحو المنصوص عليه في إتفاقيات جنيف .

( 8 ) تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر إلزاميا أو طوعيا في القوات المسلحة الوطنية إو إستخدامهم للمشاركة فعليا في الأعمال الحربية .

( ج ) في حالة وقوع نزاع مسلح غير ذي طابع دولي الإنتهاكات الجسيمة للمادة ( 3) المشتركة بين إتفاقيات جنيف الأربع المؤرخة في 12 أوت 1949 وهي من الأفعال التالية المرتكبة ضد أشخاص غير مشتركون إشتراكا فعليا في الأعمال الحربية بما في ذلك افراد القوات المسلحة الذين القوا سلاحهم و أولائك الذين أصبحوا عاجزين عن القتال بسبب المرض أو الإصابة أو الإحتجاز أو لأي سبب أخر .

- إستعمال العنف ضد الحياة والأشخاص وبخاصة القتل بجميع انواعه والتشوبة والمعاملة القاسية والتعذيب .

- الإعتداء على كرامة الشخص وبخاصة المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة .

- أخذ رهائن .

- إصدار أحكام وتنفيذ إعدامات دون وجود حكم سابق صادر عن محكمة مشكلة تشكيلا نظاميا تكفل جميع الضمانات القضائية المعترف عموما بأنه لا غنى عنها .

- تنطبق الفقرة ( 2 هـ ) على المنازعات المسلحة غير ذات الطابغ الدولي وبالتالي فهي لا تنطبق على حالات الإضطرابات والتوترات الداخلية مثل أعمال الشغب أو أعمال العنف المنفردة أو المتقطعة وغيرها من الأعمال ذات الطبيعة المماثلة .

- الإنتهاكات الخطيرة الأخرى للقاوانين والأعراف السارية على المنازعو المسحلة غير ذات الطابع الدولي في النطاق الثابت للقانون الدولي أي من الأفعال التالية :

- تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أوضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية .

- تعمد توجيه هجمات ضد المباني والمواد والوحدات الطبية ووسائل النقل والأفراد من مستعملي الشعارات المميزة المبنية في إتفاقيات جنيف طبقا للقانون الدولي .

- تعمد شن هجمات ضد موظفين مستخدمين أو منشأت أو مواد أو إحداث أو مركبات مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام عملا بميثاق الأمم المتحدة ما داموا يستحقون الحماية التي توفر للمدنينين أو للمواقع المدنية بموجب القانون الدولي للمنازاعات المسلحة .

- تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية المرضى والجرحى شريطة ألا تكون أهدافا عسكرية .

- نهب أي بلدة أو مكان حتى تم الإستيلاء عليه عنوة .

- الإغتصاب أو الإستبعاد الجنسي أو الإكراه على البغاء أو الحمل القسري على النحو المعرث في الفقرة ( 2 و ) من المادة 2 أو التعقيم القسري أو أي شكل اخر من أشكال العنف الجنسي يشكل أيضا إنتهاكا خطيرا للمادة المشتركة بين إتفاقيات جنيف الأربع .

- تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر إلزاميا أو طويعيا في لاقوات المسلحة أو في جماعات مسلحة أو إستخدامهم للمشاركة فعليا في الأعمال الحربية .

- إصدار أوامر بتشريد السكان المدنيين لأسباب تتصل بالنزاع مالم يكن ذلك بداع من أمن المدنيين المعينين أو لأسباب عسكرية ملحة .

- قتل أحد المقاتلين من العدو أو إصابته غدرا .

- إعلان أنه لن يبقى أحد على قيد الحياة .

- إخضاع الأشخاص الموجودين تحت سلطة طرف آخر في النزاع البدني أو لأي نوع من التجارب الطبية أو العلمية التي لا تبررها المعالجة الطبية أو معالجة الأسنان أو المعالجة في المستشفى للشخص المعني والتي لا تجري لصالحه وتسبب في وفاة ذلك الشخص أو أولئك الأشخاص أو في تعريض صحتهم لخطر شديد .

- تدمير ممتلكات العدو أو الإستيلاء عليها ما لم يكن هذا التدمير أو الإستلاء مما تحتمه ضرورات الحرب .

تنطبق الفقرة ( 2 ج ) على المنازعة المسلحة غير ذات الطابع الدولي وبالتالي فهي لا تنطبق على حالات الإضطرابات والتوترات الداخلية مثل أعمال الشغب أو أعمال العنف المنفردة أو المتقطعة أو غيرها من الأعمال ذات الطبيعة المماثلة وتنطبق على المنازعات المسلحة التي تقع في إقليم دولة عندما يوجد صراع مسلح طويل الأجل بين السلطات الحكومية وجماعات مسلحة منظمة أو فيما بين هذه الجماعات .

ليس في الفقرتين ( ج ، د ) ما يؤثر على المسؤولية عن حفظ أو إقرار القانون والنظام في الدولة أو عن الدفاع عن وحدة الدولة وسلامتها الإقليمية بجميع الوسائل المشروعة .



• جـريمــة العــدوان :



لاتزال أركان هذه الجريمة قيد النقاش والجدل ضرورة أن النظام الأساسي للمحكمة أقر بالفقرة الأخيرة للمادة ( 5 ) بأن تعريف هذه الجريمة وتكييفها سيتم لاحقا عملا بمقتضيات المادتين ( 121 ) و ( 123 ) من النظام الأساسي والمتعلقتين بالتعديلات والمراجعة وعليه فإن إختلافات شديدة بين أطراف النظام الأساسي للمحكمة حالت دون الاتفاق النهائي بشأن تحديد أركان جريمة العدوان .

والأرجح أن تطول مدة النقاش حول تعريف أركان هذه الجريمة لأن حسم المسألة سيلقي بضلاله على المصالح السياسية الحيوية لأكثر من طرف دولي على أنه يتعين في هذا الباب الإشارة بأن القانون الدولي عامة وميثاق منظمة الأمم المتحدة خاصة تعرض إلى الممارسة العدوانية ورتب عقوبات ضد مرتكبيها من الدول وفق مقتضيات الباب السابع من الميثاق المتعلق بصلاحيات مجلس الأمن الدولي حيال تهديد السلم وممارسة العدوان .

ونشير في هذا الباب إلى أحكام المادة ( 27 ) من ميثاق منظمة الأمم المتحدة التي تقتضي إستبعاد وإزاحة الدولة الطرف في النزاع من المشاركة في عملية التصويت على قرار مجلس الأمن الدولي بشأن نزاع ما .وطالما أن حالة العدوان تشكل أقصى درجات إنتهاك القانون الدولي فإن آلية إستبعاد الدولة الطرف في العدوان في باب التصويت بشأن قرارات يعد في تقديرنا أمرا ضروريا وذلك على قاعدة ( من باب أولى وأحرى ) لأن القانون الدولي الذي أقر آلية إستبعاد الدولة الطرف من عملية التصويت على قرار مجلس الأمن بشأن مجرد نزاع لا يمكن في رأيينا أن يجيز تدخل دولة طرف في العدوان في عملية التصويت وهي حالة أخطر بكثير من حالة النزاع .

هذا ويجوز إقتراح تعديلات على أركان الجرائم من جانب :



• أي دولة طـــرف

• القضاة بأغلبية مطلقة

• المدعي العـــام للمحكمة الجنائية الدولية



على أن تعتمد هذه التعديلات بأغلبية ثلثي أعضاء جمعية الدول الأطراف مع الحرص على أن تكون التعديلات بشأن أركان الجرائم متناسقة مع النظام الأساسي للمحكمة .

ونلاحظ في هذا الصدد بأنه لا توجد مخاطر مبدئيا من شأنها إزاحة بعض الجرائم عن إختصاص المحكمة بموجب التعديلات المقترحة لأن أحكام المادة ( 12 ) من النظام الأساسي للمحكمة تقتضي بأن الدولة التي تصبح طرف " تقبل بذلك إختصاص المحكمة فيما يتعلق بالجرائم المشار إليها في المادة ( 5 ) " .

ولكن يتعين الملاحظة بشأن جريمة العدوان بأن القانون المنظم لمحكمة نورنبورق قد تعرض بفصله السادس إلى تحديد جريمة العدوان وذلك بعنوان " جرائم ضد السلم تستهدف إعلان حرب عدوانية في خرق تام للمعاهدات والمواثيق الدولية " .

كما سبق لمنظمة الأمم المتعهدة أن أقرت في مستوى الجمعية العامة بتاريخ 1974/12/14 تعريفا لجريمة العدوان تم إلحاقه بقرار الجمعية العامة عدد 3314 ويقتضي بأن العدوان هو " إستعمال القوة العسكرية الصادر عن دولة ضد السيادة والحرمة الترابية والإستقلال السياسي لدولة اخرى ..."

على أن القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ليست إلزامية تجاه الدول خلافا للقرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي وفق أحكام الباب السابع من الميثاق .

هذا وأعدت كذلك لجنة القانون الدولي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة مشروع قانون يحدد الجرائم ضد الإنسانية والذي تضمن إشارة للعدوان إلا أن هذا المشروع مازال بصدد الدرس من طرف الدول .

بعد عرض الجرائم التي تدخل في إختصاص المحكمة يتعين أن نتساءل بشأن القانون الواجب التطبيق خلال ممارسة المحكمة لاختصاصها :



-2- القانـون الــواجب التـطبيق :





حدد النظام الأساسي فروع القانون التي يتعين على قضاة هذه المحكمة تطبيقها وقد ورد ذلك بأحكام المادة ( 21 ) والتي إقتضت بأن يكون النظام الأساسي لهذه المحكمة قانونها كما تشكل أركان الجرائم كما وردت بالنظام الأساسي قانونا تحتكم إليه إلى جانب القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات الخاصة بالمحكمة ، هذا في المقام الأول .

وفي المقام الثاني ، تعتمد المحكمة المعاهدات الواجبة التطبيق ومبادئ القانون الدولي وقواعده بما في ذلك المبادئ المتصلة بالقانون الدولي للنزاعات المسلحة .

كما يمكن للمحكمة بأن تستند إلى المبادئ المتصلة بالنظم القانونية الوطنية خاصة القوانين الوطنية للدول التي من عادتها ممارسة ولايتها القضائية على الجريمة على ألا تتعارض تلكم المبادئ مع أحكام النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ولا مع أحكام القانون الدولي ، هذا ويجوز للمحكمة أن تحتكم إلى فقه قضاءها ( أي السوابق القضائية الصادرة عنها ) .

وهذه الإمكانية تتاح بعد أن تقطع المحكمة أشواطا في ممارسة ولايتها القضائية الدولية ويتجمع لديها كم من الأحكام والقرارات من شأنها أن تشكل لاحقا مصدرا من مصادر قانون المحكمة .

وتشدد أحكام المادة ( 21 ) من النظام الأساسي على ضرورة أن يكون تطبيق وتفسير القانون يتماشى مع معايير حقوق الإنسان المعترف بها دوليا وفي حل من أي تمييز كان مبني على الجنس أو العرف أو اللون أو اللغة أو الدين أو المعتقد أو الرأي السياسي وغيرها من أشكال التـمييز .

ويتعين الملاحظة بشأن المادة ( 21 ) من النظام الأساسي ما يلي :

إن إدراج النظام الأساسي للمحكمة في المقام الأول من حيث القانون الواجب التطبيق لايتنزل في الحقيقة في رسم سلم تفاضلي بشأن مصادر القانون المعتمد من المحكمة تماما كما هو ساري المفعول في الأنظمة القانونية الوطنية لحسم مسآلة تنازع القوانين بل يتنزل في إعتقادنا في شمولية وعمق المبادئ والأصول القانونية الورادة بالنظام الأساسي للمحكمة وبقواعد الإجراءات والإثبات وهذا يجعل إدراجها في المقام الأول كمصدر لقانون المحكمة أمرا مقبولا مبدئيا .

وتجدر الإشارة من ناحية اخرى بأن المحكمة غير مختصة بالبت في الجرائم التي تعود وقائعها إلى تاريخ سابق لتاريخ بدء نفاذ النظام الأساسي للمحكمة .

وعليه فإن الاختصاص الحكمي للمحكمة مقيد بإختصاص زمني يسري مفعوله بشأن الجرائم المرتكبة بعد دخول النظام الأساسي للمحكمة حيز النفاذ ( بتاريخ 12 جوان 2002 ) .

إن هذا التقييد الزمني لئن يبدو منطقيا وقانونيا ضرورة أنه لا يمكن أن تتعهد المحكمة بالتتبع والمقاضاة بشأن الجرائم الخطيرة المرتكبة قبل نشأة إلتزام الدول الأطراف في نظام المحكمة وهي مسألة سيادية أساسية ولكن من شأن أن يترتب عن ذلك الدفع إفلاتا من العقاب لصالح الجناة بشأن جرائم خطيرة إرتكبت ضد الإنسانية ولا يسع المحكمة التعهد بها للقيود الواردة بالمادة ( 11 ) من النظام الأساسي والمتعلقة بالاختصاص الزمني .

على أنه يمكن إرساء محاكم دولية خاصة تتعهد بمقاضاة الجناة المرتكبين للجرائم الأشد خطورة قبل دخول النظام الأساسي للمحكمة حيز النفاذ وذلك على غرار محكمة يوغسلافيا السابقة ومحكمة رواندا .



-3 - الإحتكام للمبادي العامة للقانون الجنائي :







لا جدال في كون القانون الجنائي عامة يحتكم لمبادي عامة يتعين تطبيقها لتأمين المحاكمة العادلة والمنصفة لكل شخص ولئن حددت المادة ( 21 ) من النظام الأساسي للمحكمة المراجع القانونية التي تستند إليها المحكمة في ممارسة إختصاصها فإن الاحتكام للمبادئ العامة للقانون الجنائي يعد إجراءا ضروريا لأن تلكم المبادئ تمثل دليلا إجرائيا وضعه شراح وفقهاء القانون الجنائي لضمان سير سليم للإجراءات الجزائية من ناحية وحماية الحقوق الشرعية للمتهم من ناحية اخرى .





المبدأ الأول :



لا جريمة إلا بنص سابق الوضع :





تقتضي أحكام المادة (22 ) من النظام الأساسي أن تباشر المحكمة إختصاصها في المساءلة الجزائية للأشخاص بمقتضى نص سابق الوضع وهو في صورة الحال النظام الأساسي للمحكمة وعليه فإن هذه الأخيرة لا تختص إلا بالبت في الجرائم الواردة بنظامها الأساسي .

وهذا المبدأ يفسر ما تعرضنا إليه سابقا بخصوص عدم إختصاص المحكمة بالنظر في الجرائم الواقعة قبل دخول نظامها الأساسي حيز النفاذ ولكن يتعين الملاحظة في هذا الباب بأن ذات المادة ( 22 ) تجيز مرجعية المحكمة للقانون الدولي بصفة عامة أي خارج إطار نظامها الأساسي وذلك في بعض حالات تكييف السلوك الإجرامي على أنه في حالة الغموض بشأن تعريف الجريمة أو تأويل ملابساتها لا يجوز الإحتكام للقياس بل يفسر التعريف لصالح المتهم .



المبدأ الثاني :



لا عقوبة إلا بنص سابق الوضع :







يتماشى هذا المبدأ مع المبدأ المشار أعلاه ضرورة أنه لايحق إخضاع المتهم لعقوبة جنائية غير واردة زمن إرتكابه للجريمة وهذه القاعدة القانونية تكرس مبدأ هاما وهو الأثر اللارجعي للعقاب الجزائي

على أن هذا المبدأ يخضع لاستثناء وحيد يتمثل في إنتفاع المتهم بالعقوبة الأخف إذا ما تم تعديل القانون قبل صدور حكم نهائي بشأنه .

ونبقى في باب العقوبات لنلاحظ بأن النظام الأساسي خول للمحكمة القضاء بالعقوبات الأتي بيانها :



-1- السجن المؤبد في حالة الجرائم الأشد خطورة وإعتبارا لظروف الشخص المدان (صفته خلال إرتكاب الجرائم طبيعة سلطاته ونفوذه .....) .



-2-السجن لسنوات لمدة أقصاها ثلاثين ( 30 ) سنة .





وفي حالة تعدد الجرائم تصدر المحكمة بالنسبة لكل جريمة حكما خاصا وحكما مشتركا يحدد المدة الكاملة للعقاب الصادر على ألا تتجاوز المدة الكاملة للعقاب الصادر خمسة وثلاثين ( 35) عاما أو السجن المؤبد .



ونلاحظ في باب العقوبات الواردة بأحكام المادة ( 77 ) من النظام الأساسي بأن المحكمة غير مختصة بالقضاء بعقوبة الإعدام لأن النظام الأساسي لا يجيز ذلك وهذا يرتقي لمبدأ مناهضة حكم الإعدام الذي يتبناه نشطاء حقوق الإنسان في العالم بأسره حماية للذات البشرية وحقها في الحياة .



-3- فرض الغرامات ومصادرة العائدات والممتلكات.



تختص المحكمة الجنائية بالقضاء بإلزام المتهم بأداء غرامات لفائدة الضحايا كما تختص بالقضاء بمصادرة العائدات والممتلكات المتأتية بصورة مباشرة أو غير مباشرة من الجريمة دون المساس بحقوق الغير الحسن النية .



هذا وينص النظام الأساسي للمحكمة على إنشاء صندوق إستئمان تحول إليه العائدات من الغرامات المحكوم بها والأصول والممتلكات المصادرة وتصرف لفائدة الضحايا وعائلاتهم وتأذن المحكمة بتحويل المال وغيره من الأصول إلى الصندوق على أن تحدد الدول الأطراف في نظام المحكمة معايير إدارته ( المادة 79 من النظام الأساسي ) .



ويبدو جليا أن العقاب طبق نظام المحكمة يتجاوز العقوبات السالبة للحرية ، ليمتد إلى الذمة المالية للمتهمين ويعد هذا إنصافا للضحايا من ناحية ، ووضع حد لاستفادة الجناة من عائدات جرائمهم من ناحية اخرى ، فضلا عن إقرار مبدأ أخلاقي هام وهو عدم حمل المجتمع الدولي على جبر أضرار متصلة بجرائم شديدة الخطورة صادرة عن أشخاص بصفتهم الفردية .



على أن العدد الكبير عادة لضحايا هذه الجرائم قد يجعل هذا المبدأ الأخلاقي يخضع لإستثناءات تدعو الدول الأعضاء في نظام المحكمة رصد أموال بالصندوق كفيلة بتغطية التعويضات المحكوم بها لفائدة الضحايا أو أسرهم .

وهذا في حد ذاته مبدأ أخلاقي يرتقي لقيم التضامن والتعاطف .

القضاء الدولي في مجال حقوق الإنسان ( 1)

القضاء الدولي في مجال حقوق الإنسان :



المحاكم الدولية المؤقتة والمحكمة الجنائية الدولية



تمهيــد :



إن إنشاء آليات لحماية حقوق الإنسان يعد نقلة نوعية هامة شهدها المجتمع الدولي بمختلف مكوناته ، ذلك أن التوقف في مضامين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 وسائر العهود والمواثيق الدولية اللاحقة المتصلة بحقوق الإنسان لا تؤمن بالضرورة الحماية الفعلية لتلكم الحقوق وتفعيل صيانتها من كل أشكال الخرق والانتهاك .

وعليه وطالما تنزل الإعلان العالمي والعهود والمواثيق اللاحقة له في منزلة الالتزام المعنوي والأخلاقي فإن هاجس المجتمع الدولي لم يتوقف عند مزيد إثراء الكم الهائل من المبادئ والقيم المتصلة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية بل تطور نحو رصد آليات فعلية لحماية سائر الحقوق والحريات خدمة لإنسانية الإنسان وللارتقاء بتلكم الحقوق والحريات إلى حيز الإلزام القانوني .

ولاجدال في كون تأمين إلتزام الدول بمعناه القانوني حيال تلكم الحقوق والحريات الأساسية يقتضي إنشاء إتفاقيات تلزم تلكم الدول بمقتضى التوقيع والمصادقة .

ولئن تضمن ميثاق منظمة الأمم المتحدة تعهد الأعضاء بالاحترام الفعلي لحقوق الإنسان والحريات الأساسية ( الفصل 55 والفصل 56 من نص ميثاق ) فإن ذلك لم يكن كافيا لضمان حماية تلكم الحقوق والحريات كما أن ترسانة الإعلانات والعهود والمواثيق الدولية المتصلة بحقوق الإنسان واللاحقة للميثاق الأممي لم تحقق أهداف الإنسانية في هذا الباب بل ظلت المسافة الفاصلة بين المبادئ والممارسة كبيرة جدا مما إستوجب تفعيل تلكم المبادئ بآليات تتميز بالالتزام والإلزام .

وكان طبيعي جدا أن يسعى المجتمع الدولي إلى إقامة مؤتمرات على نطاق عالمي لغاية تكريس مبدأ حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية من ناحية وإرساء آليات تؤمن تفعيل تلكم الحقوق والحريات وتضمن صيانتها من الخروقات تحت أي بند من البنود .

ولئن إستعرض مؤتمر الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان المنعقد بطهران سنة 1968 إشكالية عالمية حقوق الإنسان وأفضى إلى الإقرار بأن " الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يعد فهما مشتركا لدى كل شعوب العالم بخصوص الحقوق التي لا يمكن التنازل عنها أو إنتهاكها لكل الإنسانية .





ويشكل إلتزاما على عاتق المجتمع الدولي " فإن مؤتمر فيينا لسنة 1993 أسس لنقلة نوعية في مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية : مفاهيما وآليات ، ضرورة أنه إختزل مجهـودات وتجارب الإنسانية على مدى عدة عقود ( 1948 –1993 ) لرصد آليات تكرس إحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية كأولوية مطلقة بالنسبة للمجتمع الدولي .

وكان منتظرا أن يشهد المؤتمر العالمي بفيينا جدلا على أكثر من مستوى بشأن حماية وصيانة حقوق الإنسان في العالم في ضوء تنوع الخلفيات الحضارية والسياسية والثقافية لأطراف المؤتمر من الحكومات وعلى إختلاف مصالحهم من جهة وتبعا للحضور المكثف للمنظمات غير الحكومية وأداءها القيم والثمين من جهة أخرى .

على أن مؤتمر فيينا أفضى إلى حسم مسألة عالمية حقوق الإنسان وأكد من جديد " إلتزام جميع الدول رسميا بالإيفاء بإلتزاماتها المتعلقة بتعزيز إحترام الحقوق والحريات الأساسية للجميع ومراعاتها وحمايتها على الصعيد العالمي وفقا لميثاق منظمة الأمم المتحدة والمواثيق ذات الصلة ووفق القانون الدولي ولاتقبل الطبيعة العالمية لهذه الحقوق أي جدل وفي هذا الإطار يعتبر تعزيز التعاون الدولي في مجال حقوق الإنسان أساسيا لتحقيق مقاصد الأمم المتحدة تحقيقا كاملا ".

كما ورد بذات التقرير الختامي للمؤتمر إقرار بأن " جميع حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للتجزئة ومترابطة ويجب على المجتمع الدولي أن يتعامل بشأن حقوق الإنسان على أساس شامل وبطريقة منصفة ومتكافئة وعلى قدم المساواة وبنفس الدرجة من التركيز ولئن توضع في الاعتبار أهمية الخاصيات الوطنية والإقليمية ومختلف الخلفيات التاريخية والثقافية والدينية فإنه من واجب الدول بصرف النظر عن نظمها السياسية والاقتصادية والثقافية تعزيز وحماية جميع الحقوق .

إن قراءة مضامين التقرير الختامي لمؤتمر فيينا تؤكد الحرص الشديد على ضرورة إيفاء الدول بإلتزاماتها حيال صيانة حقوق الإنسان والحريات الأساسية من كل خرق وعليه فإن تجديد النداء للدول لتنفيذ إلتزاماتها الدولية يشكل في الواقع وضعها أمام مسؤولياتها بهدف وضع حد لكل أشكال الانتهاكات للذات البشرية .

ولئن كان مؤتمر فيينا محطة هامة في الحركة العالمية لحقوق الإنسان فإن الجدل في صفوف المجمتع الدولي ظل قائما بشأن تطوير آليات حماية حقوق الإنسان لضمان تفعيلها تباعا وتحقيق أرقى درجات النفاذ حيال تطبيقها درءا لمخاطر طمسها وخرقها بالتمادي في ممارسة الإنتهاكات .

ولئن لا يتسع المجال في هذه المداخلة لإستعراض جملة آليات حماية حقوق الإنسان والتي تم إنشاؤها بعد مؤتمر فيينا لسنة 1993 فإن إنشاء مؤسسة قضائية دولية تتعهد بالبت في جرائم حقوق الإنسان وملاحقة مرتكبيها يعد آلية أساسية أفرزتها جهود المجمتع الدولي في هذا الباب .



فحماية لحقوق الذات الإنسانية وتعزيزا لمبادى العدالة ووضع الحد لظاهرة الإفلات من العقاب أنشأ المجتمع الدولي المحكمة الجنائية الدولية .

ولا جدال في كون إنشاء هذه المحكمة يعد آلية حاسمة أفرزتها جهود نشطاء حقوق الإنسان في العالم على مدى عقود من الزمن من أجل ملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم ضد الإنسانية ومساءلتهم قضائيا بهدف غلق مسالك التحصن بالإفلات من العقاب .

ويتعين الإشارة في هذا الباب إلى الأئتلاف من أجل إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الذي تكون منذ عام 1993 ( ونلاحظ أنه متزامن مع مؤتمر فيينا )وقد ضم الإئتلاف ما يزيد عن ألف عضو من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان للمطالبة بإرساء آلية قضائية لتتبع الجناة في الجرائم المتصلة بحقوق الإنسان .

هذا وواصل الائتلاف عقب صدور نظام روما الأساسي المنشأ للمحكمة الجنائية الدولية حملته العالمية من أجل دعوة جميع الدول للمصادقة على النظام الأساسي للمحكمة من ناحية ومن أجل سن تشريعات تخول لها التعاون الكامل مع أجهزتها من ناحية اخرى .

هذا ، وأقر المؤتمر الديبلوماسي للمفوضين المنعقد بروما النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وذلك بتاريخ 18 جويلية 1998 وشهد المؤتمر حضور وفود عن مائة وستين ( 160 ) دولة وإحدى وثلاثين (31 ) منظمة دولية ومائة وستة وثلاثين ( 136 ) منظمة غير حكومية حضرت بصفة مراقبين هذا ويقتضي النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أن تنشأ فعليا هذه المحكمة بمصادقة ستين دولة عليها وفعلا فقد تمت مصادقة الدولة الستين بتاريخ 11 أفريل 2002 على أن تدخل حيز الوجود والممارسة الفعلية بداية من اليوم الأول للشهر الموالي لستين يوم بعد مصادقة الدولة الستين على النظام للمحكمة ( المادة 126 من النظام الأساسي ) وصارت تبعا لذلك المحكمة الجنائية الدولية مؤسسة قضائية قائمة الذات مؤهلة للتعهد بالملفات الجنائية التي ترفع إليها.

وتجدر الملاحظة في هذا الباب بأن مائة وأربعة دول ( 104 ) قد صادقت على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ( إلى غاية تاريخ 01/01/2007 ) وأصبحت بالتالي هذه الدول أطرافا بنظام المحكمة على أنه لم تنظم لهذه الهيئة القضائية الدولية سوى دولتين عربيتين وهما الأردن و دجيبوتي .

إن إقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بالأغلبية الساحقة للدول في المؤتمر ( مائة وعشرون دولة ) كان إستجابة فعلية لنظال أجيال متعاقبة من نشطاء حقوق الإنسان في العالم ضرورة أن إقامة جهازا قضائيا دائما لملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية يشكل آلية نوعية جديدة تضاف إلى منظومة حقوق الإنسان التي ولئن سبق أن أرست أنظمة دولية وإقليمية حمائية على مدار ما يزيد عن نصف قرن فإنها لم تتوفق في التصدي الفعلي للكم الهائل من الانتهاكات ضد الأفراد والجماعات .

ومن المفارقات أن تناشد الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1977 المجموعات الإقليمية إصدار مواثيق وإرساء آليات إقليمية لحماية حقوق الإنسان وإقامة أجهزة للمراقبة أقل تعقيدا من أجهزة إشراف على نطاق عالمي وتم فعلا إرساء المزيد من الأليات الإقليمية ثم يعود المجتمع الدولي إلى فرض آليات حمائية وردعية ذات بعد دولي على غرا إنشاء المحكمة الجنائية الدولية .

ولعل تواصل نزيف الانتهاكات والإجرام في حق الإنسانية أفضى إلى اليقين بمحدودية سائر الأليات السابقة من جهة وبضرورة دفع حشد دولي قصد إقامة آلية قضائية دائمة وشاملة من جهة أخرى .

تأسست المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم ضد الإنسانية والتي يدينها القانون الدولي ، هذا وتقتضي المادة الثانية من النظام الأساسي للمحكمة بارتباطها مع منظمة الأمم المتحدة بإتفاق ، ضرورة أنها ذات شخصية قانونية وفق ما تقتضيه المادة الرابعة من نظامها الأساسي .

على أنه يتعين قبل تقديم المحكمة الجنائية الدولية ، إستعراض الرصيد التاريخي للقضاء الدولي المتصل بردع جانب هام من الجرائم الأشد خطورة التي وقعت الإنسانية تحت طائلتها في عديد بقاع العالم .



المبحث الأول :



الجذور التاريخية للقضاء الجنائي الدولي :





إن إقامة العدالة الجنائية الدولية ليس إجراءا جديدا بل تعود جذورها إلى الماضي البعيد نتيجة تواتر الحروب وما أفرزته من إنتهاكات للأعراف الدولية والقانون الدولي الأنسان .



-1- مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى :



فمنذ القرن التاسع عشر وبالتحديد بعد صدور إتفاقية جنيف لعام 1864 الخاصة بمعالجة ضحايا الحرب دعى ( قوستاف منيه ) وهو أحد مِؤسسي الصليب الأحمر إلى إنشاء محكمة جنائية دولية تتولى مساءلة من يخالف أحكام الإتفاقية الشار إليها وتقدم فعلا بمشروعه هذا إلى اللجنة الدولية مقترحا تشكيل المحكمة على النحو التالي :

ممثلا عن كل طرف من الأطراف المتحاربة وثلاثة ممثلين من دول محايدة على أن مقترحه لم يرى النور رغم كل الجهود المبذولة .



-2- مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى :



وتجدد الإنشغال المجتمع الدولي بإنشاء قضاء دولي جنائي إبان الحرب العالمية الأولى التي راح ضحيتها عشرات الملايين من الأشخاص فكانت الرغبة كبيرة في إتخاذ إجراءات لردع الجناة والحيلولة دون وقوع حرب عالمية اخرى من شأنها تهديد السلم والأمن الدوليين .

هذا ويتعين الإشارة في هذا الباب إلى معاهدة فرساي الموقعة عام 1919 حيث شعر المجتمع الدولي بضرورة إرساء قواعد وإجراءات قانونية للغرض . فقد وردت بمعاهدة فرساي إشارة بتشكيل محكمة جنائية دولية لمحاكمة الأمبراطور الألماني السابق ( قليوم الثاني ) حيث إتجه المنتصورن في الحرب إلى إنشاء لجان تحقيق تحدد مخالفات الأعراف وقوانين الحرب وملاحقة مجرمي الحرب الألمان على أن المحاكمة المنتظرة لم يتم إجراءها لأن الأمبرطور الألماني قد تمتع بحق اللجوء السياسي في هولاندا ورفضت هذه الأخيرة تسليمه بدعوى أن الأباطرة والرؤساء تجب محاكمتهم أمام شعوبهم فقط .

كما يتعين الإشارة إلى أن إنشاء عصبة الأمم كان يستهدف تجنب الحروب والمأسي الناجمة عنها وقد ورد بعهد عصبة الأمم الذي أصبحت مقتضياته سارية المفعول سنة 1920 التنصيص على وجوب صيانة السلم العالمي وإلتزام الدول بطرق السليمة لحل نزاعاتها .

هذا وأثير موضوع إنشاء المحكمة الجنائية الدولية كيفما إقتضت ذلك المادة 14 من عهد صبة الأمم ، فتشكلت للغرض لجنة إستشارية عهدت إليها مهمة إعداد مشروع لتأسيس المحكمة ، ويلاحظ في هذا الباب حصول جدلا بشأن المشروع فقد رأي البعض ضرورة إنشاء محكمة مستقلة لمحاكمة الأشخاص المتهمين بإرتكاب جرائم دولية فيما إقترح البعض الأخر تأسيس شعبة جنائية بمحكمة العدل الدولية الدائمة . غير أنه لم يتم إنشاء هذه المحكمة بدعوى عدم سابقية الأتفاق بين الدول بشأن القانون الواجب تطبيقه وعليه فقد إقتصر جهد الجمعية العمومية على إنشاء محكمة العدل الدولية فحسب .



-3- مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية :



مع نهاية الحرب العالمية الثانية وما خلفته من صدمة للأنسانية نتيجة حجم الدمار وهول الكوارث الذي أفرزته ، تجدد إنشغال المجتمع الدولي بإنشاء جهاز قضائي دولي لملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الأشد خطورة . وفعلا فقد تم تشكيل محاكم جنائية دولية من قبل الحلفاء المنتصرين .

ففي عام 1940 تم تشكيل محكمة نورونبارغ في حين إنشأت محكمة طوكيو عام 1946 وذلك لمحاكمة مجرمي الحرب الألمان واليابانيين .

ونلاحظ في هذا الباب بأن هتين المحكمتين المؤقتتين قد وصفتا بمحكمتي المنتصرين ( نسبة إلى المنتصرين في الحرب العالمية الثانية ) .

ولئن لم تنجح معاهدة فرساي لسنة 1919 في إنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب العالمية الأولى فإن المنتصرين في الحرب العالمية الثانية قد توفقوا في إقامة إجهزة قضائية لمحاكمة المنهزمين الألمان واليابانيين وذلك بعد استسلامهما .

وعليه فقد دعى الحلفاء إلى إجراء محاكمة عسكرية لمجرمي الحرب الألمان واليابانيين وتبنوا ذلك وفق إتفاقية لندن المؤرخة في 08/08/1945 والتي افضت إلى إنشاء محكمة عسكرية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب .

وتم عقد جلسات المحكمة بمدينة نورنبورغ الألمانية على خلفية أنها المركز الرئيسي للحزب النازي وقضت المحكمة بإعدام عدد من القادة النازيين الألمان بعد إدانتهم بإرتكاب المذابح والقتل الجماعي ، وبخصوص اليابان فقد اصدر القائد العام لقوات الحلفاء في اليابان قرار إنشاء محكمة عسكرية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب العالمية وذلك بتاريخ 19/01/1946 وإختصت هذه المحكمة بالنظر في الجرائم ضد السلام الدولي والجرائم ضد الأنسانية ومخالفات الأعراف والقوانين الدولية المتصلة بالنزاعات المسلحة .

وفي 12/11/1948 قضت المحكمة بإعدام ستة قادة يابانيين .



-4- مجلس الأمن الدولي وإنشاء المحاكم الجنائية الدولية المؤقتة :



شهد المجتمع الدولي لاحقا إنشاء المحكمة الدولية الجزائية الخاصة بيوغسلافيا بمقتضى قرار مجلس الأمر الدولي الصادر سنة 1993 ثم المحكمة الدولية الجزائية الخاصة برواندا وفق ذات الإجراء الأممي وذلك سنة 1994 .

إختصت كل من محكمة يوغسلافيا السابقة ورواندا بمحاكمة المتهمين بإرتكاب الجرائم التالية :

-1 – جريمة الإبادة .

-2 – الجرائم ضد الإنسانية .

-3 –خرق القوانين والأعراف الدولية المتصلة بحالات النزاع المسلح .

-4 – إنتهاكات خطيرة لإتفاقيات جنيف لسنة 1949 .

وعلى مستوى الإختصاص الترابي للمحكمتين نلاحظ بأن المحكمة الخاصة بيوغسلافيا قد تعهدت بالنظر في الجرائم المرتكبة على كامل التراب اليوغسلافي ( جمهورية يوغسلافيا الإشتراكية سابقا ) فيما تعهدت المحكمة الخاصة بروندا بملاحقة المتهمين بإرتكاب الجرائم على التراب الرواندي وكذلك الجرائم الصادرة عن روانديين والمرتكبة على تراب الدول المجاورة لرواندا .

وهذا ويتجه الملاحظة بأن المحكمة الخاصة بيوغسلافيا والمحكمة الخاصة برواندا قد تعهدا بالنظر في الجرائم قبل إنشاء المحكمتين:

-1 – الجرائم المرتكبة بداية من 1991/01/01 بالنسبة لرواندا .

-2 – الجرائم المرتكبة خلال المدة الفاصلة بين 1 جانفي و31 ديسمبر 1994 بالنسبة ليوغسلافيا السابقة .

وعليه فقد كان مجال التدخل للمحكمتين ذي مفعول رجعي بينما حدد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية مجال تدخلها بداية من تاريخ دخولها حيز التنفيذ .

وتختلف المحكمتين المذكورتين عن المحكمة الجنائية الدولية من حيث علوية كل المحكمتين حيال المحاكم الوطنية للدولتين ( إختصاص مطلق ) بينما تختص المحكمة الجنائية الدولية بالصبغة المكملة للقضاء الوطني للدول وعلى مستوى إثارة الدعوى نلاحظ الإختصاص الحصري للمدعي العام بالنسبة لمحكمة يوغسلافيا ومحكمة روندا ضرورة أنه يثير الدعوى ويباشر التحقيقات ويدون لائحة الإتهام بينما يتعهد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بإجراء التحقيقات تحت إشراف الدائرة التمهيدية للمحكمة التي يعود لها القول الفصل في إحالة المشتبه بهم على المحاكمة من عدمها .

- المبحث الثاني :

المحكمة الجنائية الدولية :



يتعين أن نركز في هذه المداخلة على إختصاصات المحكمة الجنائية الدولية ( الباب الأول ) ثم نستعرض آليات ممارسة تلكم الإختصاصات ( الباب الثاني ) .





الباب الأول :



إختـصـاصـات الـمحكمـة الجنائية الدولية :





تقتضي المادة الأولى ( 1 ) من النظام الأساسي بأن تكون المحكمة الجنائية الدولية "هيئة دائمة تمارس إختصاصها على الأشخاص إزاء أشد الجرائم خطورة موضع الاهتمام الدولي وذلك على النحو المشار إليه في هذا النظام الأساسي " .

لنستعرض طائفة الجرائم التي ترجع بالنظر إلى أجهزة المحكمة الجنائية الدولية ( 1) ثم القانون الواجب التطبيق ( 2 ) لنخلص إلى مسألة الاحتكام للمبادئ العامة للقانون الجنائي ( 3 ) .



-1- الجرائم التي تدخل في إختصاص المحكمة :





عملا بأحكام المادة ( 5 ) من النظام الأساسي فإن المحكمة الجنائية الدولية تختص بالبت في الجرائم الأشد خطورة وهي كالأتي :



-1 ) جريمة الإبادة الجماعية .

- 2 ) الجرائم ضد الإنسانية .

- 3 ) جـــرائــم الـــحــــرب .

- 4 ) جــريمــة العـــــدوان .





وقد ورد بالمواد 6 ، 7 و 8 من النظام الأساسي تعريفا مفصلا لأركان الجرائم المشار إليها أعلاه على أننا نقدم في هذه المداخلة أهم الأركان المتصلة بتلكم الجرائم :



• جريمــة الإبــــادة الجمـــاعية :





وتقوم أركانها على الأفعال والممارسات التي تستهدف إهلاك جماعة قومية ، أو إثنية أو عرفية أو دينية بصفتها تلك إهلاك كليا أو جزئيا .

لغرض هذا النظام الأساسي تعني " الإبادة الجماعية " أي فعل من الأفعال التالية :

يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه إهلاك كليا أو جزئيا .

( أ ) قتل أفراد الجماعة .

( ب ) إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة .

( ج ) إخضاع الجماعة عمدا لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كليا جزئيا .

( د ) فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة .

( ه ) نقل أطفال عنوة إلى جماعة اخرى .

• الجرائـــم ضـد الإنــسانيــة :





وتقوم أركانها على إرتكاب هجوم منهجي وواسع النطاق ضد مجموعة من السكان المدنيين وعن سابق علم بالهجوم ( الأضمار ) .

لغرض هذا النظام الأساسي يشكل أي فعل من الأفعال التالية " جريمة ضد الإنسانية " متى أرتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بالهجوم .

( أ ) القتل العمد .

( ب ) الإبادة .

( ج ) الإسترقاق .

( د ) إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان .

( ه ) السجن أو الحرمان الشديد أي على نحو أخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي .

( و ) التعذيب .

( ز ) الإغتصاب أو الإستبعاد الجنسي أو الإكراه على البغاء أو الحمل القسري أو التعقيم القسري أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي على مثل هذه الدرجة من الخطورة .

( ح ) إضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية أو متعلقة بنوع الجنس على النحو المعرف في الفقرة 3 أو لأسباب اخرى من المسلم عالميا بأن القانون الدولي لا يجيزها وذلك فيما يتصل بأي فعل مشار إليه في هذه الفقرة أو بأية جريمة تدخل في إختصاص المحكمة .

( ط ) الإختفاء القسري للأشخاص .

( ي ) جريمة الفصل العنصري .

( ك ) الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمدا في معاناة شديدة أو أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية .

لغرض الفقرة ( 1 ) ( أ ) تعني عبارة هجوم موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين نهجا سلوكيا يتضمن الارتكاب المتكرر للأفعال المشار إليها في الفقرة ( 1 ) ضد أية مجموعة من السكان المدنيين عملا بسياسة دولة أو منظما تقضي بإرتكاب هذا الهجوم أو تعزيز لهذه السياسة

( ب ) تشمل الإبادة تعمد فرض أحوال معيشية من بينها الحرمان من الحصول على الطعام والدواء بقصد إهلاك جزء من السكان .

( ج ) يعني " الإسترقاق " ممارسة أي من السلطات المترتبة على حق الملكية أو هذه السلطات جميعها على شخص ما بما في ذلك ممارسة هذا السلطات في سبيل الإتجار بالأشخاص ولا سيما النساء والأطفال .

( د) يعني إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان نقل الأشخاص المعينين قسرا من المنطقة التي يوجودن فيها بصفة مشروعة بالطرد أو بأي فعل قسري أخر دون مبررات يسمح لها القانون الدولي .

( ه ) يعني التعذيب تعمد إلحاق ألم شديد أو معاناة شديدة سواء بدنيا أو عقليا بشخص موجود تحت إشراف المتهم أو سيطرته ولكن لا يشمل التعذيب أي ألم أو معاناة ينجمان فحسب عن عقوبات قانونية أو يكونان جزءا منها نتيجة لها .

( و ) يعني " الحمل القسري " إكراه المرأة على الحمل القسري أو على الولادة غير المشروعة بقصد التأثير على التكوين العرقي لأية مجموعة من السكان أو إرتكاب إنتهاكات خطيرة اخرى للقانون الدولي ولا يجوز بأي حال تفسير هذا التعريف على نحو يمس القوانين الوطنية المتعلقة بالحمل .

( ز ) يعني الإضطهاد حرمان جماعة من السكان أو مجموعة السكان حرمانا متعمدا وشديدا من الحقوق الأساسية بما يخالف القانون الدولي وذلك بسبب هوية الجماعة أو المجموع .

( ح ) تعني جريمة الفصل العنصري أية أفعال لا إنسانية تماثل في طابعها الأفعال المشار إليها في الفقرة ( 1 ) وترتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الإضطهاد المنهجي والسيطرة من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أية جماعة أو جماعات عرقية اخرى وترتكب بنية الإبقاء على ذلك النظام .

( ط ) يعني " الإختفاء القسري للأشخاص " إلقاء القبض على أي أشخاص أو إحتجازهم أو إختطافهم من قبل دولة أو منظمة سياسية أو بإذن أو دعم منها لهذا الفعل أو بسكوتها عليه ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم أو عن أماكن وجودهم بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة .

لغرض هذا النظام الأساسي من المفهوم أو تعبير نوع الجنس يشير إلى الجنسين الذكر والأنثى في إطار المجتمع ولا يشير تعبير " نوع الجنس " إلى أي معنى أخر يخالف ذلك .