الأربعاء، 17 يونيو 2009

التدخل الانسانى فى القانون الدولى العام السودان نموزجا(الفصل الثالث)



الفصل الثالث
آثار التدخل الإنساني علي الاستقرار في السودان


المبـحث الأول : العوامل المؤثرة علي التدخل.

المـبحث الثاني : نماذج من التدخل الإنساني في السودان

المبحث الثالث : آثار التدخل الإنساني علي الاستقرار










المبحث الأول
العوامل المؤثرة علي التدخل


المطلب الأول:
شكل الحكم ومسوي الحريات العامة المتاحة

المطلب الثاني:
مدي التزام السودان بالمواثيق والواجبات الدولية

المطلب الثالث:
النزاعات الداخلية في السودان












المطلب الأول: شكل الحكم ومستوي الحريات العامة المتاحة
عندما نتحدث عن شكل الحكم ومستويات الحريات العامة نعني بصور واضحة خضوع الدولة للقانون " ولكي تسمي الدولة بالدولة القانونية يجب أن تخضع جميع الفئات الحاكمة فيها للقواعد القانونية السارية وتتقيد بها شأنها في ذلك شأن المحكومين ويعني ذلك خضوع جميع أوجه نشاط الدولة للقانون سواء في التشريع أو التنفيذ أو القضاء" .(1) ويتداخل مفهوم الدولة القانونية مع مفهوم آخر هو مشروعية السلطة التي تعني رضاء المحكومين وقبولهم للسلطة وهذا الرضا لا يمكن أن يكون له وجود إذا لم تلتزم الدولة بالقانون لذلك يحدث التلازم بين المفهومين ومسألة خضوع الدولة للقانون من المبادئ الراسخة في القانون الدولي والقانون الدستوري وتحكمها عدد من النظريات أهمها نظرية القانون الطبيعي علي اعتبار " أنها قواعد سابقة علي نشأة الدولة وأنها تعبر عن العدالة المطلقة " .(2) وكذلك تقيد سلطة الدولة ، وتفرع عنها نظرية الحقوق الفردية وتقوم علي أساس أن للفرد حقوق معينة نشأت معه قبل أن تكوين الدولة وأن الدولة لم تنشأ إلا لحماية هذه الحقوق وأن سلطة الدولة تتقيد بهذه الحقوق. أما نظرية التحديد الذاتي للإرادة فتأسست علي أن الدولة هي التي تحدد حدود ممارسة سلطاتها وفقاً لإرادتها وسيادتها ، ثم نظرية التضامن الاجتماعي التي تأسست علي أن التضامن الاجتماعي للإنسان حقيقة واقعية يستند إليها القانون ويستمد منها الصفة الإلزامية.
" ويعتبر ضمير الجماعة منبع القاعدة القانونية ومصدرها وشعور الأفراد بضرورة احترام التضامن فيما بينهم هو الجزاء علي مخالفة القاعدة القانونية"(3 وكل هذه النظريات تؤكد شئ واحد هو ضرورة خضوع الدولة للقانون وهنالك شروط لابد من توافرها لنصف الدولة بصفة القانونية وهي إيجازاً:
أولاً: وجود دستور يحكم العلاقة والمحكومين وتفصل حدود السلطات والصلاحيات.
ثانياً : تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات وهذا يقتضي قيام مؤسسات تشريعية وقضائية وتنفيذية بصورة قانونية سليمة – لتراقب كل سلطة الأخرى.
ثالثاً: إحترام مبدأ سيادة القانون وذلك بمساواة الجميع أمام القانون " كل واحد مهما علت رتبته ومركزه فهو خاضع لحكم القانون العادي وإختصاص المحاكم العادية وإن كل شخص طبيعي أوإعتباري أو رسمي يخضع بدرجة متساوية للقانون(1)
رابعاً: تدرج القواعد القانونية بمعني عدم خروج القوانين واللوائح والأوامر عن مقتضيات الدستور.
خامساً : تنظيم رقابة قضائية.
سادساً: حماية الحقوق والحريات الفردية (2)
إذا التزمت الدولة بهذه الضوابط الستة فإننا أمام دولة ديمقراطية وأي دولة ديمقراطية لابد أن تنال المشروعية لرضاء الشعب عنها لأنها تكون باختياره وتمارس كل أنشطته تحت رقابته ومن أولي أولويات الدولة الديمقراطية هي حماية حقوق الإنسان والحريات العامة.
مما يؤدي إلي تراضي اجتماعي عام يعم الدولة وبالتالي يؤدى إلى سد الذرائع التي تدخل عبرها الدول الأخرى في الشئون الداخلية خاصة وان قضايا حقوق الإنسان من أهم قضايا التدخل في هذا الزمن.
أثر شكل الحكم ومستوي الحريات العامة في السودان علي التدخل:
في نظر المجتمع الدولي- الأمم المتحدة ( مجلس الأمن ) وأغلب الدول الكبرى التي تمثل عملياً المجتمع الدولي في نظر هؤلاء أن النظام الحاكم في السودان نظام غير ديمقراطي بحسبان أنه جاء بانقلاب عسكري ولم يأت عبر انتخابات حرة ونزيهة وأن هذا النظام لا يتيح مستوي كافي من الحريات العامة ولا يحترم حقوق الإنسان ويقوم بانتهاكات واسعة في دار فور ومتهم بالإبادة الجماعية ويرفض تسليم أشخاص مطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية وترعي الإرهاب العالمي حيث مازال السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب حسب التصنيف الأمريكي وتأسيساً علي هذه الأمور صدرت قرارات كثيرة لإدانة السودان ومازالت الحالة في السودان قيد نظر مجلس الأمن الدولي.
هذه الأفكار وغيرها تعطي مسوغات للدول الكبرى للتدخل في شئوننا الداخلية وكلما توسعنا في الحريات العامة والتزمت الدولة ومؤسساتها بالقانون كلما أغلقنا المنافذ التي تأتي من خلالها التدخل أو التهديد بالتدخل في شئوننا وفي عالم اليوم لا يمكن القول أن هذه القضايا والاتهامات غير صحيحة أو كاذبة فما دامت الدول الكبرى قررت ذلك في مجلس الأمن فلا معقب لها ونحن دولة صغيرة وفقيرة لا نستطيع مقاومة هذه الدول فالأولوية في نظري ليست المقاومة ولكن في إزالة المسوغات والمبررات وتمتين صلة الحكومة بشعبها.




المطلب الثاني: مدي التزام الدولة بالمواثيق والواجبات الدولية
سبق أن أوضحنا أنه تترتب قبل الدولة مسئولية دولية إذا أخلت بأي من واجباتها القانونية وقد سجلت لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة مبدأ المسئولية الدولية في المشروع الإبتدائي الذي أعدته في موضوع مسئولية الدولة بسبب الأضرار التي تصيب أشخاص وأموال الأجانب في إقليمها فجاءت في المادة الأولي " .... ولا يجوز للدول أن تحتج بنصوص قانونها الداخلي لكي تفلت من المسئولية الناتجة عن الإخلال بإلتزام دولي أو عن عدم تنفيذه".(1)
وتتنوع مسئولية الدولة إذ قد تكون تعاقدية بسبب إخلالها بالتزاماتها التعاقدية أو تقصيرية نتيجة إتيانها عمل غير مشروع إخلالاً بقواعد القانون الدولي أو بحق من الحقوق الأساسية للدول الأخري. ويدخل في هذه المسئوليات قضايا الإخلال بالحقوق والحريات الأساسية وحقوق الإنسان" وفي مجال حقوق الإنسان فإن الدول لا تلتزم فقط بما وقعته وصدقت عليه من إتفاقيات وإعلانات ، بل تلتزم أيضاًَ بقواعد العرف الدولي المتعلق بحقوق الإنسان ، فضلاً عن أن معظم إتفاقيات حقوق الإنسان وإعلاناته تعتبر مفسراً لميثاق الأمم المتحدة والذي هو ملزم للجميع دولاً وأشخاصاً طبيعيين ومن هنا تأتي خطورة حقوق الإنسان وتأثيرها في السيادة" .(2)
وهو نفس ما نصت عليه المادة الخامسة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966م. من هذه الناحية فإن الالتزام بالاتفاقيات الدولية والمواثيق والأعراف خاصة حقوق الإنسان ضرورة قصوه للدول حتى تنأى بنفسها عن مضار التدخل الدولي لأسباب إنسانية خاصة وأن حقوق الإنسان لم تعد شأناً محلياً كما أسلفنا



أثر الالتزام بالمواثيق والواجبات الدولية
علي التدخل في السودان:
معظم الاتهام الذي يوجه للسودان وبسببه يتعرض للتهديد بالتدخل في شئونه الداخلية هو الإخلال بالمواثيق والواجبات الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان والحريات العامة .
كما أن التدخل الفعلي الذي تم سواء في الجنوب أو دار فور أو جبال النوبة هو لأغراض إنسانية مثل توصيل الإغاثة وحماية المدنيين وإزالة الألغام وغيرها كما حدث في اتفاقية شريان الحياة وهذه كلها تم بإتفاق مع حكومة السودان.
السودان من الدول التي وقعت علي إتفاقية الحقوق المدنية والسياسية لعام 1966م مما يلزمها التقيد بما ورد فيها من حقوق للأفراد وهذه الحقوق فعلياً مدرجة في دستور السودان الانتقالي لعام 2005م . (1) والمجال الأكثر إلحاحاً بالمعالجات القانونية والتثقيفية هو المتعلق بالقانون الدولي الإنساني وهو النافذة التي عبرها تمت الإساءة لسمعة السودان في المحافل الدولية مثل الاتهام بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية وهي الجرائم التي نظمها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

المطلب الثالث : النزاعات الداخلية
النزاعات الداخلية في السودان ذات طبيعة معقدة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ودينية بأبعاد داخلية وأخري خارجية وذات إمدادات تاريخية عميقة. فالنزاع في الجنوب كان المحرك الأساسي له هو اختلاف الثقافة والدين بينما في دار فور سياسية واقتصادية وكلها مرتبطة بأبعاد داخلية وخارجية ، فالأبعاد الداخلية تمثلت في أن أطراف السودان بدأت تتجمع ضد المركز بحجة تعرضها للتهميش الاقتصادي والتنموي والسياسي وهو الشعار المشترك لكل حركات الهامش ( دار فور – الجنوب – الشرق والشمال) أما الأبعاد الخارجية تتمثل في الدور التاريخي الذي لعبه الاستعمار البريطاني المتصل بسياسة المناطق المقفولة مما جعل التوازن في التنمية والتعليم مفقوداً في بعض الأقاليم ساعد ذلك قصور الرؤية الوطنية لحل المشكلة بعد الاستقلال فليس من المنطق بعد أكثر من (50) عاماً من الاستقلال أن نظل نلوم الاستعمار ولكن اللوم الأكبر ينصرف نحو النخبة السودانية التي جعلت مفكر مثل د. منصور خالد يصدر كتاب فيه تقريع شديد لهذه النخبة باسم " النخبة السودانية وإدمان الفشل".
وليست الحالة السودانية بدعة في النزاعات حيث ساد العالم بعد انتهاء الحرب الباردة اعتقاد بأنا سوف نشهد عصراً من السلم والاستقرار علي المستوي الدولي ولكن ذلك لم يكن سليماً " وذلك بظهور نوع جديد من الصراعات يختلف في دوافعه وأشكاله عن الصراعات السابقة ، إنها الحرب الأهلية داخل الدول، وليست الحروب بين الدول، وفي هذه الصراعات فإن المدنيين ولا سيما النساء والأطفال عادة ما يكونوا أكثر الضحايا ، الأمر الذي أستدعي تدخل المجتمع الدولي تحت أسم التدخل الإنساني ، لوضع حد للمعاناة الإنسانية لضحايا هذه الصراعات" . (1)
" أظهرت العديد من الدراسات وأيضا من واقع التجربة العملية في استخدام سياسة التدخل, نجدها قد ركزت بشكل أساسي على جانب شبه أحادى فيها, وهو الأعمال الاكراهية مثل العقوبات الاقتصادية أو الحصار والمقاطعة أو الإجراءات العسكرية وغيرها الهادفة الى الضغط على حكومات ونظم بعينها, والحجة التي تساق غالبا في هذا المجال ان التهديدات الاساسية للسلم والامن الدوليين في عصر ما بعد الحرب الباردة لم تعد تأتي من الصراعات بين الدول بقدر ما تأتي من النزاعات والصراعات داخل الدول ذاتها ". (2)
وإذا كان التدخل غير مسيس ولأسباب إنسانية محضة فإنه هدف نبيل أما إذا كان لأهداف سياسية ولا يستند إلي فهم عميق لطبيعة الصراع فإنه يؤدي إلي تفاقم الأزمة الإنسانية وهذا هو الخوف الذي حدا بالحكومة السودانية – كما يبدو – لرفض مبدأ التدخل في السودان خاصة في دار فور في بدايات الأزمة إلا بعد جولات من التفاوض مع المجتمع الدولي أسفر عن القرار الأخير وهو القرار (1769) الصادر من مجلس الأمن والخاص بالقوات الهجين أي المشتركة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والبالغ عددها 26 ألف.
وفي مقال له في معرض تعليقه علي القرارين 1593 ، 1792 الصادرين من مجلس الأمن بشأن دارفور تحت البند السابع تحت عنوان " إلي أين يتجه السودان" ذكر البروفسير محمد زين العابدين عثمان الأستاذ بجامعة الزعيم الأزهري " إن الآثار الكارثية المترتبة علي تنفيذ هذين القرارين علي جميع جماهير الشعب السوداني هو أنهما سيطيلان أمد الصراعات في السودان وخاصة الصراعات الجهوية والقبلية ولن تؤدي إلي الإستقرار والسلام الذي ينشده المجتمع الدولي، وسيكون هذا بمثابة فتح شهية لكثير من المليشيات المسلحة من قبلية وجهوية وعنصرية لترفع السلاح ويزداد القتال وتكثر الضحايا الإنسانية ويزداد مدي التعدي علي حقوق الإنسان وتتكرر مأساة دار فور في كثير من ربوع السودان الأخرى ونكون قد وسعنا نطاق الحرب في السودان بدلاً من احتوائها" (1)




أثر النزاعات الداخلية علي التدخل في السودان:
الفظائع التي حدثت في دار فور وبسببها صدرت قرارات عديدة من مجلس الأمن واعتبار الوضع في دار فور مما يهدد الأمن والسلم الدوليين كانت الجزء الأكبر منها بسبب الصراع بين الحركات التي تمردت علي الحكومة ومليشيا الجنجويد أحدثت فظائع يقشعر منه الأبدان ولم يسبق أن سجل التاريخ السوداني أسوأ منها كما لم يسبق أن قدمت إساءة للأمة السودانية كما قدمت بسبب هذه الفظائع وهي حقائق اعترفت بها الحكومة وكونت لجنة للتحقيق. كما أدانها المجتمع الدولي ولكن الخلاف في من ورائها هل تمت بدفع من الحكومة أم من دول الجوار أم محض صراع بين الطرفين وهل هي تطهير عرقي أم إبادة
جماعية أم انتهاكات وجرائم ضد الإنسانية أياً كانت الإجابة فإن النزاع في دار فور الذي اعتبرناه مثالاً للنزاعات الداخلية في السودان كان ذو تأثير كبير في تحريض وحث المجتمع الدولي للتدخل في شئوننا الداخلية. ومنذ إندلاع أحداث دار فور مازالت الحالة السودانية باقية قيد النظر في مضابط مجلس الأمن الدولي وهو أكبر دليل علي خطورة هذا النزاع في جلب التدخل الدولي الإنساني الذي أستقر علي جلب 26 ألف جندي وفقاً للقرار (1769) المعني بالقوات الهجين.



المبحث الثاني


نماذج من التدخل الإنساني في السودان

المطلب الأول: نموذج جنوب السودان( شريان الحياة)

المطلب الثاني: نموذج جبال النوبة

المطلب الثالث : نموذج دار فور










المطلب الأول: شريان الحياة
( التدخل الإنساني في جنوب السودان)
يقع جنوب السودان جنوب خط عرض 10 ويمتد جنوباً حتى شمال بحيرة البرت بيوغندا وتبلغ مساحته الكلية 250.000 ميل مربع أي حوالي ربع مساحة السودان ويقطن في الجنوب قبائل عديدة ولكن تقسم إلي مجموعات رئيسية وهي ( الدينكا ـ الشلك ـ النوير ـ الزاندي ـ الباريا ) ويحده كل من .
وينقسم جنوب السودان إدارياً إلي عشر ولايات على النحو التالي :
أولاً : ولايــات بحر الغزال وهـــي :
غرب بحر الغزال ـ شمال بحر الغزال ـ وأراب ـ البحيرات .
ثانياً : ولايــات الاستوائية وهـــي :
الاستوائية الوسطي ( بحر الجبل سابقاً ) غرب الاستوائية ـ شرق الاستوائية
ثالثاُ : ولايــات أعالي النيل وهـــي :
جو نقلي ـ الوحدة ـ أعالي النيل .
ويقع الجنوب على مدار خط الاستواء ويتراوح منسوب الأمطار السنوية بين (400 ـ 1600 ) وينقسم إلي إقليمين متاخين وهما
السدود وهو مملوء بالحشائش والمستنقعات والاستوائية وهو يزدحم بالغابات والأخشاب مما جعل كثير من المناطق يستحيل معها السكن.
اندلعت الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب منذ التمرد الأول والذي عرف تاريخياً بتمرد توريت عام 1955م ولم تهدأ إلا بصورة متقطعة حتى اتفاقية أديس أبابا / 2مارس 1972 حيث أعطي الجنوب الحكم الذاتي وتكوين المجلس التنفيذي العالي ومجلس الشعب الإقليمي للجنوب .
لم تنهي اتفاقية أديس أبابا الحرب بصورة جذرية حيث عادت مرة أخرى بعد حوالي عشر سنوات أي في مايو 1983م وكانت ورائها أسباب متراكمة ولكن السبب المباشر هو إلغاء اتفاقية أديس أبابا من قبل الرئيس الأسبق جعفر نميرى واستمرت الحرب بصورة أشرس مما كانت حتى تم التوصل لاتفاق السلام الشامل في 9/ يناير 2005م بموجبها منح الجنوب حق تقرير المصير بعد (6) سنوات . (1)
"تعتبر مشكلة جنوب السودان من أخطر وأكثر المشاكل الإقليمية تعقيداً في القارة الأفريقية والعالم العربي فهي موجودة حتى قبل استقلال السودان في الأول من يناير 1956م وتسببت في العديد من الأزمات السياسية والاقتصادية التي يعاني منها السودان اليوم ، فالحرب الأهلية أدت إلي عدم استقرار نظم الحكم ، وزادت من حدة التوتر الاجتماعي وبفعلها انقسمت القوي السياسية مما أثر سلباً على سيادة الدولة الداخلية والخارجية فقد أدت إلي الإطاحة بالنظام العسكري الأول ( 1958 ـ 1964م ) والثاني ( 1969 ـ 1985 م ) كما أودت بالديمقراطية الأولي ( 1954 ـ 1958 ) والثانية ( 1985 ـ 1989م ) . (2)
إتفاقية شريان الحياة هي إتفاقية بين الأمم المتحدة وحكومة السودان من ناحية وبين الأمم المتحدة والحركة الشعبية والجيش الشعبي من ناحية أخري وذلك لتمكين المنظمة الدولية لتوصيل الإغاثة والعون الإنساني كالأغذية والأدوية وسائر الخدمات الضرورية إلي جميع مناطق الجنوب بما فيها مناطق سيطرة الحكومة ومناطق سيطرة الجيش الشعبي لتحرير السودان.
" جاء في تعريف شريان الحياة التي بدأت عام 1989م وتم تجديدها عام 1997م أنها ترتيب سياسي وتنظيمي يسمح بوصول المساعدات الإنسانية للمواطنين المتأثرين بالحرب في ظل إستمرار الصراع فالترتيب السياسي يعني موافقة أطراف الصراع علي تنفيذ العملية تحت مظلة الأمم المتحدة والترتيب التنظيمي يعني إجراء المسوحات الدورية للإحتياج المطلوب وخلاصة التعريف أنها إغاثة المتضررين في ظل الحرب".(1)
في مارس 1990م تم تقسيم عملية شريان الحياة إلي عمليتين الأولي تنطلق من الخرطوم والثانية تنطلق من كينيا من قاعدة لوكي شوكي الجوية الشهيرة. وإستمر تقديم العون الإنساني في جميع المناطق بواسطة الأمم المتحدة وفقاً لهذه العملية.

أثر عملية شريان الحياة علي السودان:
لاشك أن السودان كان عاجزاً عن توصيل الإغاثة والعون الإنساني إلي مناطق الجنوب النائية أما لعجز الإمكانيات أو لسيطرة الحركة الشعبية عليها مما كان سيؤدي لا محالة إلى معاناة إنسانية لا يمكن القبول بها وفي المقابل فإن الحركة الشعبية ماكانت لها أن تقدم العون الإنساني لهؤلاء المواطنين ، لظروف الحرب وغيرها وتوقيع الإتفاقية الخاصة بشريان الحياة أمكن المجتمع الدولي من إستقطاب الدعم من مختلف الدول والمانحين لتوفير هذا العون وبما أن العملية تمت بناءاً علي الإتفاق فإن الإدعاء بتأثيرها علي السيادة الوطنية لا أساس له وبعض الشكاوي التي ظهرت فيها من الطرفين لا تعدوا أن تكون إنحرافات عن الواجب من قبل بعض الأفراد العاملين في المنظمات العاملة في إطار العملية ولكن لم يكن منهجاً للأمم المتحدة كما أنها إذا قورنت بالمهام الإنسانية الكبيرة التي قدمتها الأمم المتحدة تبدوا عادية جداً، كل هذه العمليات الإنسانية تمت بدون أي عمل عسكري علي الأرض من قبل المجتمع الدولي والوجود العسكري الأممي لم يدخل أرض الجنوب إلا بناءاً علي إتفاق السلام الشامل (CPA) عام 2005م في تقديري أن عملية شريان الحياة من النماذج التي يمكن أن نطلق عليها بقوة أنها عملية إنسانية تمت برعاية الأمم المتحدة.





المطلب الثاني التدخل الإنساني في جبال النوبة
الموقع والمنطقة المسماة بجبال النوبة يعود أصل تسميتها إلي القرن الرابع الميلادي وبالتحديد في العام 350م وقد سميت لأسباب عديدة أهمها أن النوبة هم قاطنوها الأوائل كما أنها تمثل البيئة الجغرافية للمملكة النوبية ، ومن الناحية الجغرافية تقع في الجنوب الشرقي لغرب السودان بين خط الطول 28ـ 32.5 شرقاً والعرض 10 ـ 12.5 شمالاً ، تبلغ مساحتها 50 ألف ميل ويبلغ التعداد السكاني حوالي المليون نسمة ويمثل النوبة السكان الأصليين وقد اختلطوا بالقبائل الأخرى بفعل الهجرات من غرب وشمال أفريقيا وهي القبائل العربية النازحة بعد سقوط دولة عبد الرحمن الداخلي وطارق بن زياد الشهيرة بدولة الأندلس وكذلك بسبب الهجرات الداخلية مع دينكا نقوك القادمين من منطقة أبونق بأعالي النيل ، ويضم جبال النوبة حالياً ولاية جنوب كردفان وعاصمتها كاد وقلي .
امتد التمرد في الجنوب إلي جبال النوبة وذلك لقرب الموقع الجغرافي والتداخل القبلي النسبي مع الجنوب إضافة إلي انضمام عدد من مثقفي جبال النوبة إلي الحركة الشعبية أمثال( يوسف كوة ـ وعبد العزيز أدم الحلو ـ محمد هارون كافى الخ ) كان لهذا الأمر أثر واضح في نقل التمرد إلي جبال النوبة فتأثر بالحرب خاصة في الحرب الأخيرة ( 1983ـ 2005م ) حيث تمت معالجة موضوع جبال النوبة ضمن اتفاقية السلام الشاملة في ملحق المناطق الثلاثة . (1)
ومن أوائل الإتفاقيات الفرعية التي وقعت عليها الحكومة مع الحركة الشعبية هي إتفاقية وقف إطلاق النار في جبال النوبة التي وقع عليها د. مطرف صديق عن الحكومة السودانية والفريق عبد العزيز آدم الحلو عن الحركة الشعبية.
وأبرز ما ورد في الإتفاقية فيما يتعلق بالتدخل وحماية حقوق الإنسان الآتي:
في الفصل الثامن الفقرة (1) تم النص علي " يتم تأسيس وحدة مراقبة دولية لمساعدة الطرفين في تطبيق الإتفاقية والمحافظة علي وقف إطلاق النار" وفي الفقرة (2) تم تضمين مهام وحدة المراقبة في الفقرة (2) البند (هـ) " تنسق بين منظمات العمل الإنساني بغرض المساعدة في عمليات الإغاثة"
في الفقرة (3) " تتكون وحدة المراقبة الدولية مبدئياً من (10-15) عسكريين ومدنيين).
وفي الفقرة (5) " تكون لوحدة المراقبة حرية الدخول والحركة داخل جبال النوبة ".
هذه الفقرات ساهمت بشكل فعال في مساعدة اللجنة الدولية في القيام بعملها وتمكنت من تمديد نشاط شريان الحياة إلي جبال النوبة حتي إستقر الأمن والسلام في المنطقة بصورة لم تشهدها من قبل حيث " تنفس أهالي جبال النوبة الصعداء عندما تم التوقيع علي إتفاق وقف إطلاق النار في المنطقة عام 2002م ، ومنذ ذلك الحين بدأت أفواج العائدين تعود إلي المنطقة من مختلف مناطق السودان بعد أن أصبحوا نازحين نتيجة الحرب وحققت اللجنة العسكرية المشتركة لمراقبة وقف إطلاق النار نجاحاً منقطع النظير في مراقبة الأوضاع الأمنية والإنسانية بالمنطقة".(1)
وهكذا نجد أن التدخل في جبال النوبة تم بإتفاق بين الحكومة والحركة وكان الجانب الأغلب هو الجانب الإنساني مما كان له دور إيجابي وبعث الثقة بين الطرفين ساهم في توقيع إتفاقية السلام الشامل عام 2005م.
ومن هنا نلاحظ أنه لا أثر ضار علي السودان مما يؤكد أنه ليس كل التدخل الدولي الإنساني بالضرورة ضار بالبلد المتدخل فيه.




المطلب الثالث: التدخل الإنساني في دار فور
يقع إقليم دار فور في أقصي غرب السودان حيث تجاوره من الشرق الولاية الشمالية وولاية شمال كردفان وولاية غرب كردفان ومن الجنوب ولايتا شمال بحر الغزال وغرب بحر الغزال ومن الشمال الغربي ليبيا ومن الغرب تشاد ومن الجنوب الغربي أفريقيا الوسطي ويمتد الإقليم في الجغرافية بين خطي عرض ( 9ـ 20 ) شمالاً والطول ( 16ـ 27.3 ) شرقاً وتبلغ مساحته حوالي 196.404 ميلاً مربعاً وهو يمثل خمس مساحة السودان ويفوق مساحة مصر وتعادل فرنسا ويتراوح عدد سكانه ما بين ( 5ـ 7 ) ملايين نسمة ينتمون إلي أصول إفريقية وعربية وهنالك تداخل قبلي مع دول الجوار وقبائل شمال ووسط السودان ويدينون بالإسلام ، يتراوح المناخ بين الصحراوي وشبة الصحراوي في الشمال والسا فنا الفقيرة في الوسط والسا فنا الغنية في الجنوب ويسود مناخ البحر الأبيض المتوسط في جبل مرة .(1)
ينقسم إدارياً إلي ثلاث ولايات هي ( شمال دار فور وعاصمتها الفاشر ـ جنوب دار فور وعاصمتها نيالا ـ وغرب دار فور وعاصمتها الجنينة ) .
اندلعت مشكلة دار فور بصورتها العسكرية عام 2001م في منطقة زالنجي بقيادة المحامي عبد الواحد محمد نور تحت اسم جبهة تحرير دار فور ثم لاحقاً قامت حركة العدل والمساواة بقيادة دكتور خليل إبراهيم وترفع هذه الحركات مطالب سياسية وتنموية واستطاعت في فترات وجيزة من إسقاط عدد من المدن الصغيرة وقطع الطرق الرئيسية بين المدن مما جعلت الحكومة تحشد قواتها لاعادة الأوضاع إلي نصابها نتج عنها حروب استمرت منذ بداية التمرد وحتى الآن هذه الحروب أدت إلي كوارث إنسانية ونزوح ولجوء إلي دول الجوار خاصة تشاد وانتقلت بالصورة والصوت إلي الإعلام الخارجي مما ألبت المجتمع الدولي على السودان وما زال الموقف يتصاعد باستمرار .
أولي بوادر التدخل الدولي الإنساني في دارفور كان عندما عقد مجلس الأمن جلسته رقم 4988 بطلب من الولايات المتحدة وذلك لمساندة توقيع الحكومة السودانية علي موافقتها علي البروتوكولات الستة لإتفاقية السلام الشامل حيث وردت الإشارة إلي دارفور في الفقرة السادسة حيث أهاب المجلس الحكومة والمتمردين بوقف القتال في دارفور ثم توالت القرارات من مجلس الأمن حيث أهمها الآتي:
أولاً : القرار رقم 1556 في 30 / يوليو 2004م ادان فيه جميع أعمال العنف وإنتهاكات حقوق الإنسان خاصة الجنجويد وصدر القرار تحت البند السابع.
ثانياً: القرار رقم 1564 بتاريخ 3/8/2004م أشار فيه إلي أن الحكومة السودانية لم تنفذ القرار السابق (1556).
ثالثاً : القرار رقم 1574 بتاريخ 19/11/2004م في الجلسة الإستثنائية المنعقدة في نيروبي.
رابعاً : القرار 1560 والقرار 1591 والقرار 1593 وإستمر التصعيد المتواصل في اروقة مجلس الأمن.
وأخطر هذه القرارات هو القرار 1593 الذي " إستند إلي تقرير لجنة التحقيق الدولية حول إنتهاكات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان في دارفور والتي أكدت أن الإنتهاكات في دارفور قد وقعت من كل الأطراف وإنها إنتهاكات خطيرة تصل إلي حد جرائم الحرب ولكن لا يتوفر فيها وصف التطهير العرقي أو جرائم الإبادة الجماعية للجنس". (!)
وقرر المجلس في هذا القرار تحويل الوضع في دارفور منذ أول يوليو 2002م إلي المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وطلب من جميع الأطراف التعاون معه وهذا القرار قفز بقضية دارفور إلي المستوي الدولي الجنائي متجاوزاً الإختصاص القضائي الوطني والجدير بالذكر أن الأسماء التي وردت في تقرير لجنة التحقيق والتي أعلن عن أن عددها (51) مازالت هذه الأسماء سرية ولم يظهر إلا عدد محدود منها وهي التي ظهرت في القرار (1672) بتاريخ 25 أبريل 2006م حيث ورد فيه عدد خمسة من المتهمين بالإضافة إلي الشخصين الذين طالب بهما مدعي المحكمة الجنائية الدولية للمثول أمام المحكمة وهما : أحمد هارون محمد وعلي عبد الرحمن كوشيب.
وظل المجلس يصدر القرار تلو القرار حتي وافقت الحكومة السودانية علي نشر القوات الهجين والتي قوامها 26 ألف جندي وتجري الآن الإستعدادات لنشرها علي الأرض في دارفور.
"فأزمة دار فور شأنها شأن أغلب النزاعات الأفريقية يتدخل فيها الماضي بالحاضر والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والداخلي والإقليمي والخارجي(1)
التدخل في دارفور أخذ منذ البداية نحو التهديد لأنه بدأ أصلاً من دول لديها علاقات متوترة مع السودان وهي الولايات المتحدة الأمريكية لذلك لم يكن إستجابة السودان سريعاًَ. " يشكل التلويح بالتدخل العسكري الدولي لحل مشكلة إقليم دارفور في السودان أحد أبرز تظاهرات عملية الإدماج الراهنة لمفهوم حق التدخل الإنساني في القانون الدولي. ويشكل بروز هذا المفهوم جزءاً من مصفوفة مفاهيم ما بعد الحرب الباردة التي فرضت بروز فرعٍ دراسيٍ جديدٍ يركز على دراسة العلاقة بين الأخلاق والسياسة و يمكن أن نسميه بأخلاقيات السياسة. ومن هنا لم تكن مفارقةً أن تكون فترة التسعينيات من القرن العشرين هي الفترة التي شهدت الكثير من النقاش والجدل حول هذا المفهوم في سياق بروز عملية العولمة التي أبرزت آليةً مزدوجةً تقوم في آنٍ واحدٍ على التوحد التكاملي الذي تشكل الإقليمية الجديدة أبرز صيغه الإيجابية وعلى التفتت الداخلي الذي تشكل التوترات والانفجارات الإثنية أبرز صيغه السلبية. ويشكل إضعاف السلطات السيادية التقليدية التي ارتبطت تاريخياً بالدولة الحديثة منذ نشوئها أحد مفعولات عملية العولمة التي تخترق المستويات القومية وتحولها. ويتناقض هنا حق التدخل الإنساني في الدول التي تشهد انتهاكاتٍ خطيرةً لحقوق الإنسان أو الأقليات والإثنيات القومية والدينية كلياً مع مفهوم عدم التدخل في الشؤون الداخلية الذي قامت عليه قواعد السيادة في النظام الدولي منذ إرساء قواعده الأساسية في النصف الثاني من القرن السابع عشر" .(1)

من مجمل القرارات التي صدرت من مجلس الأمن تلاحظ الآتي:
1- ظل السودان منذ عام 204م تحت التهديد المستمر بالتدخل تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
2- طلب محاكمة أفراد سودانيين متهمين أمام المحكمة الجنائية الدولية فيه إنتهاك للولاية القضائية للدولة السودانية لأن الأصل أن يتم محاكمتهم داخل السودان وبواسطة القضاء السوداني ومجرد تحويلهم للمحكمة الجنائية الدولية يعني إتهام القضاء السوداني بالعجز أو الحكومة بعدم الرغبة في محاكمتهم كل ذلك يؤدي إلي إنحطاط قدر السودان في المحافل الدولية.
3- عدم التوصل إلي إتفاق سياسي ينهي الصراع في دارفور سوف يزيد من التدخلات الدولية لإستمرار .المعاناة الإنسانية.




المبحث الثالث
أثار التدخل الإنساني علي الاستقرار في السودان

المطلب الأول: أثار التدخل علي السيادة الوطنية.

المطلب الثاني: أثار التدخل عل . الاستقرار السياسي
المطلب الثالث : إثار التدخل علي الاستقرار الاجتماعي.

المطلب الرابع : أثار التدخل علي الاستقرار الاقتصادي.
المطلب الخامس: أثار التدخل علي الاستقرار الأمني







المطلب الأول: أثار التدخل علي السيادة
كانت الحرب هي الوسيلة لكسب الحقوق والذود عنها بين الدول في القرون السابقة ولكن تطور الحياة الفكرية في أوربا بعد الثورة الفرنسية ساهم في تطور قواعد القانون الدولي ومن أهم قواعده مساواة الدول أمام القانون الدولي ومع تطور الأفكار الديمقراطية ظهر مبدأ عدم التدخل" وصارت الدولة تتمتع بالسمو الداخلي والإستقلال الخارجي".(1) وتمثل المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة الأساس القانوني لمبدأ سيادة الدول وقد سارت الدول علي إحترام هذه السيادة وإن بدأ الفقه مؤخراً يميل إلي وضع قيود كثيرة عليها خاصة بعد العولمة وإنهيار الإتحاد السوفيتي وبروز القطبية الأحادية الدولية (أمريكا) وأحداث الحادي عشر من سبتمبر وإندلاع ما عرف بالحرب علي الإرهاب مما جعلت السيادة تتناقص بإضطراد لا يمكن معها واقعياً الحديث عن سيادة مطلقة.
ويتبين مما سبق أن لسيادة الدولة مظهرين داخلي وخارجي. فإذا توفرت للدولة هذين المظهرين فإننا إزاء دولة كاملة السيادة أما إذا فقدت أياًَ منها" فإنها توصف في هذه الحالة بأنها دولة ناقصة السيادة مثل الدولة الخاضعة للوصاية أو الإنتداب أو الحماية وكذلك الدويلات المكونة للدولة الإتحادية"...
وللسيادة خصائص ذات طبيعة خاصة " تتمثل في أنها سلطة أصيلة لا تستمد من سلطة أخرى وسامية تعلو علي جميع السلطات بإعتبارها السلطة الآمرة العليا التي تفرض إرادتها علي الجميع داخل إقليم الدولة ودائمة ومستمرة غير مرتبطة بموت أو حياة الحكام الذين يمارسونها وموحدة لا تقبل التجزئة ولا تتعدد بتعدد الهيئات الحاكمة في الدولة لأن هذه الهيئات لا تتقاسم السلطة العامة فيما بينها وإنما تتقاسم الإختصاصات فقط".(2)
والدولة الحديثة في ممارستها لسيادتها مقيدة بإحترام حقوق الإنسان ومصالح الدول الأخري وسيادة حكم القانون والتقيد بالإلتزامات والتعهدات الدولية. وخضوع الدولة للقانون لا ينتقص من سيادتها بل أن دساتير الدول الحديثة تلزم الدول بالخضوع للقانون وهو يقيد فقط الإستخدام غير المشروع للسيادة. " وذلك يعني أن تغيراً قد أصاب مبدأ السيادة بتحوله من مبدأ سياسي قائم على فكرة الإدارة العامة باعتبار الأمة مصدرا للسلطات يستخدم لإضفاء الشرعية على أية حركة سياسية، إلى مبدأ قانوني يتبع ظهور دولة القانون التي مردها إلى فكرتين تبناهما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: الأولى وهي أن الغاية من كل تنظيم سياسي هي المحافظة على الحقوق الطبيعية التي لا تتقادم، الثانية هي أن هذه الحماية لاتتحقق إلا بالقانون، فتتحول الدولة بأدائها الوظيفة الجديدة إلى مجموعة من المرافق العامة. ".(1)
"0(لم يعد بوسع صانع القرار انتهاك حقوق الإنسان تحت مظلة مبدأ السيادة الوطنية، لانهيار حجته بأنه يمثل الدولة أو يطيع أوامرها العليا،حيث أصبحت حقوق الإنسان مسألة تهم الجماعة الدولية والقانون الدولي، ولم تعد تتعلق بالمجتمعات
القومية وتخضع للقانون الداخلي،وهذا ما أكده القاضي الياباني ( تانكا) في قضية جنوب غرب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية معلقاً على أهمية حقوق الإنسان (يستمد مبدأ حماية حقوق الإنسان من فكرة أن الإنسان هو شخص، ومن علاقته مع المجتمع التي لا يمكن فصلها عن الطبيعة الإنسانية،وأن وجود حقوق الإنسان لا يعتمد على إرادة الدولة لا من خلال تشريعاتها الداخلية ولا من خلال معاهداتها الدولية، فليس بمقدور الدول خلق حقوق الإنسان وإنما يمكن لها التأكيد على وجودها وحمايتها، ولذلك فإن دور الدولة ليس أكثر من دور إيضاحي، حيث وجدت حقوقه مع وجوده وقبل وجود الدولة. وحتى الأشخاص الأجانب في دولة ما أو الذين لا ينتمون إليها يجب ألاّ يجردوا منها، وقد حظي مبدأ حماية حقوق الإنسان بالاعتراف كقاعدة قانونية بموجب ثلاثة مصادر في القانون الدولي: الاتفاقيات الدولية والعرف الدولي ومبادئ العدالة(1)

أثر التدخل الإنساني علي السيادة الوطنية في السودان:
أي تدخل في الشئون الداخلية للدول لابد أن تؤثر في السيادة والقرارات الدولية التي صدرت في المحافل الدولية ضد السودان أو في شأن السودان كلها تتناول قضايا داخلية مما يوحي بعجز السودان عن القيام بواجباتها الوطنية والقانونية وللتدليل علي مدي تأثير التدخلات والقرارات علي السيادة في السودان نأخذ مثالاً واحداً وهو القرار رقم 1556 الصادر عام 2004م بموجب الفصل السابع حيث أهم الطلبات الواردة فيه هي . (2)
أولاً : إلغاء جميع القيود التي يمكن أن يعيق تقديم المساعدات الإنسانية.
ثانياً : توفير سبل الوصول إلي جميع السكان المتضررين.
ثالثاً : التحقيق المستقل في إنتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي.
رابعاً : تهيئة أجواء أمنية موثوق بها من أجل حماية السكان المدنيين والجهات الإنسانية الفاعلة.
خامساً : إستئناف المحادثات السياسية بشأن دارفور مع الجهات المنشقة في منطقة دارفور.
هذا القرار علي الرغم مما يبدو من الوهلة الأولي في ظاهره الإهتمام بالجانب الإنساني إلا أن مقتضاه يعني دخول جميع الجهات الإنسانية الفاعلة أي المنظمات وغيرها دون قيد أو شرط أو مراقبة أو رصد ويعني إلغاء القيود الجمركية أو التفتيش أو الفحص الطبي او المواصفات بالإضافة إلي ذلك ينص القرار علي إيفاد
مبعوثين دوليين وإقليميين ونشر مراقبين لحقوق الإنسان وغيرها.
ويمثل هذا القرار إنتهاك صارخ لسيادة الدولة السودانية والأسوأ من ذلك أن السودان لا يستطيع المنازعة فيه لأنه صادر من مجلس الأمن تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة .أي أنه قرار ملزم للكافة.

المطلب الثاني: آثار التدخل الإنساني علي الاستقرار السياسي
"0ويهدف التدخل الدولي في شئون الدول في حالة الحرب الأهلية أو الاثنية إلي فرض الأمن والنظام وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية ومواد الإغاثة إلي مستحقيها ولتحقيق هذه الغايات السامية ينبغي أن تراعي بعض الشروط التي تتعلق بالموضوعية والخبرة في تقديم المساعدات الإنسانية ولكن للأسف الشديد إنها أصبحت مشكلة سياسية ودولية ولم يكن ذلك هدف المؤيدين للبرامج الدولية ومنظمات الإغاثة الخاصة وحتى الحكومات القومية وافقت على أن تكون المساعدات الإنسانية للمدنيين المحتاجين منزهة عن المآرب السياسية وقد أوضحت التطورات العالمية الكيفية التي تتحول بها المساعدات الإنسانية إلي أدوات سياسية وسلاح خبيث يؤدي إلي إدامة الأزمة المفترض معالجتها فلولا تدفق المساعدات الأجنبية لما استمرت الحرب البوسنية خمس سنوات والتي يمكن اندلاعها مجدداً بعد مغادرة قوات الناتو ".(1)
اتخذ التدخل في السودان – كما نعايشه- شكل الحصار والعقوبات وتوظيف ورقة انفصال الجنوب والحروب الأهلية وتحريك دول الجوار مع استمرار التهديد بالتدخل العسكري لوقف انتهاكات حقوق الإنسان في الجنوب سابقاً ودارفور حالياً.ولا يخفي تأثير مثل هذه الأمور علي الأوضاع السياسية وأبرز صور التأثيرات السالبة تتمثل في الآتي:
أولاً : إضعاف سلطة الدولة من خلال تقليص سلطاتها وأدواتها.
ثانياً : إضعاف الثقة في الحكومة مما يؤدي إلي انفضاض الناس حولها وبالتالي هزيمتها لاحقاً في أي عملية ديمقراطية تعتمد الأغلبية معياراً للحكم.
ثالثاً : إشانة سمعة السودان عالمياً وذلك للإدانات المتكررة في المحافل الدولية بسبب انتهاكات حقوق الإنسان خاصة مجلس الأمن ولجان حقوق الإنسان.
رابعاً : وضع الحكومة في حالة من القابلية للابتزاز وذلك باستمرار متابعة الحالة السودانية من مجلس الأمن بإبقائها قيد النظر باستمرار.
خامساً : إستمرار ملاحقة المتهمين في الجرائم ضد الإنسانية في دارفور أمام المحكمة الجنائية الدولية وتحويل القضية كحالة من مجلس الأمن لتجاوز التعقيدات القانونية المتصلة بعدم توقيع السودان علي النظام الأساسي للمحكمة والإيحاء المتكرر من المدعي العام للمحكمة " أوكامبو" بأن هنالك قوائم وأسماء أخري غير المعلن عنهم من المتهمين.
سادساً : كل هذه الأمور وغيرها ساهمت في إضعاف موقف السودان أمام المجتمع الدولي خاصة بعد إندلاع الحرب علي الإرهاب ووضع السودان في القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.
"ومن هنا فإن النخب التي تظهر مقدرة ضعيفة على إدارة موارد البلاد التي تحكمها وتتعرض باستمرار لتحديات داخلية لا تنجح في معالجتها بغير العنف وإسالة الدماء وتبقي الباب مفتوحاً بشكل دائم أمام اضطرابات وقلاقل حاملة لمخاطر كبيرة لها ولجيرانها وللمجتمعات الأخرى، تفقد الصدقية العالمية وتصبح هي نفسها هدفا لضغوط واستراتيجيات إقصاء خارجية تقودها تلك الدول التي تعتقد أنها الأكثر تعرضاً للاساءة أو لمخاطر سياساتها اللاعقلانية وضيقة الأفق ".(1)
"وكل ذلك يجعل من المؤكد أن عمليات التدخل من قبل الدول الكبرى، سواء جاءت تحت غطاء قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة أو من دونهما، تسير في اتجاه التنامي السريع والثابت في المستقبل وتجد أكثر فأكثر ما يسمح بتبريرها بل ربما بالمطالبة بها في منطقة العالم الفقير الذي لا تبدي فيه النخب الحاكمة قدرة كبيرة
على معالجة التوترات ومواجهة التحديات الحقيقية سواء ما تعلق منها بتحديات التنمية الإنسانية أو بإيجاد الحلول السياسية والتوافقية للصراعات والنزاعات الاجتماعية والدينية والإثنية قبل السقوط الأليم نحو مزيد من الاضطرابات والحروب والمجاعات وجميع أشكال التقهقر والانحطاط المأساوية التي تقود إليها سياسات النخب الرديئة والمفتقرة للكفاءة والشعور بالمسؤولية. (1)


المطلب الثالث: آثار التدخل علي الاستقرار الاقتصادي
أبرز التأثيرات الإقتصادية للتدخل في السودان هو تجميد أرصدة السودان في بعض البنوك العالمية – خاصة الأمريكية – ووضع عدد من المؤسسات والشركات والمؤسسات الإقتصادية على اللائحة الأمريكية للعقوبات ومنع الشركات الأمريكية من الإستثمار في السودان ومضايقة الشركات الأجنبية الأخري العاملة في السودان خاصة في مجال البترول.
هذه الخطوات لا شك أنها أفقدت السودان موارداًَ مالية وإقتصادية وكان يمكن إستخدامها في التنمية التي هي في أمس الحاجة إليها، والمثال الأبرز هو ضرب مصنع الشفاء للأدوية عام 1998م التي توقفت عن العمل منذ ذلك التاريخ وهذه الضربة لم تتم بسبب إنتهاك حقوق الإنسان ولكن بسبب الإتهام برعاية الإرهاب إلا أن الفاصل بين الدعاوي الإنسانية النبيلة والأهداف الخاصة بالدول المتدخلة باتت ضبابية.
وتتشابه الاثار الاقتصادية للتدخل فى كل الدول لأن الأطراف المتدخل واحدة ولكن
"مما يثير الدهشة أنه من بين ما يصدر من كتابات حول التناقضات الكامنة في عمليات المساعدة الإنسانية تكاد تختفي الإشارة إلى الآثار الاقتصادية الجانبية، ويشير تحليل أولي إلى ثمانية أنواع من الآثار الاقتصادية الخطيرة الناجمة عن عمليات إعادة التأهيل والإغاثة الخارجية الضخمة، نصفها مباشر ونصفها غير مباشر...(1)
وفقا لتقرير تحت عنوان المساعدة الإنسانية : الآثار السلبية بالنسبة للبلد المضيف أعده" روبين ديفز وهو خريج مدرسة لندن للاقتصاد واقتصادي أقدم سابق بالاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية (الجات). وله خبرة ميدانية واسعة في كمبوديا و بنجلاديش والبوسنة من خلال عمله كمستشار لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ووزارة الخارجية الأمريكية ومجموعة الأزمات الدولية"(2 ) نشر فى موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمرننقله بتصرف فيما يلي(2):
أولاً الآثار النقدية :
جميع برامج تدخلات المساعدة التي تجلب عملة صعبة لها أثر نقدي كبير يتضاعف عندما تكون الأموال مطلوبة لإنفاقها في غضون فترة قصيرة نسبيا. وسواء جاءت النقود لمهمة ضخمة أو لا، وحينما تكون كمية النقد المجلوب ضخمة بالنسبة إلى كتلة النقد المحلي، فإنها تشكل عاملاً مضاعفاً له أهمية كبيرة للاقتصاد المحلي، ناهيك عن المشاكل المحتملة في استعادة الثقة في العملة المحلية .
ويمكن التكهن بالنتيجة وهي إما أن تفقد السلطات الوطنية ما قد يكون قد بقى لها من سيطرة قليلة على سياساتها النقدية. وتصبح إدارتها الاقتصادية بالغة الصعوبة ؛ أو تصبح الأموال الأجنبية التي يصعب تطهيرها مورداً نقدياً جديداً يغري النخبة المحلية المسيطرة باستنزافه.
ثانياُ التضخم :
نظراً للقدرة الاستيعابية المحدودة للبلد المضيف – فى حالة الكوارث - على المدى القريب المباشر، فإن تدفق كميات كبيرة إضافية من النقد الأجنبي سوف يؤدي حتماً إلى أثر تضخمي على تكاليف المعيشة عن طريق تشابك الإنفاق العالي للوكالات فوراً في موقع الأحداث وزيادة القدرة الشرائية المحلية للقادرين على الاستفادة من قطاع الإغاثة. ومن البديهي أن يحدث هذا، ولا سيما إذا كان هناك فعلاً تضخم متأصل. وفي هذه الظروف، إلى جانب الآثار المقصودة بالنسبة لتخصيص الموارد، فإنه إذا لم يستطع فقراء الحضر زيادة دخولهم بنسبة مساوية على الأقل لدرجة الزيادة المحلية في الأسعار، فسوف يصبحون أكثر فقراً تلقائيا.
ثالثاً سعر الصرف :
إن الخيار المتاح أمام وكالات الإغاثة لاستخدام الدولار الأمريكي أو عملة صعبة أخرى بدلاً من العملة المحلية لمدفوعاتها المحلية لابد أن يؤثر في سعر الصرف. ويكون لهذا الأثر تداعيات أوسع عندما تستفيد الوكالات من السوق السوداء بدلاً من سعر الصرف الرسمي. وإذا وقع الاختيار على الدولار فقط لأسباب عملية مزعومة، فإن ذلك يؤدي إلى قيام اقتصاد ثنائي العملة. وذلك يسبب أرقا لسلطات البلد المضيف في الإدارة الاقتصادية، علاوة على آثار اجتماعية كبيرة وتكون النتيجة النهائية غالباً هي اعتماد سعر صرف غير ملائم بما ينجم عنه بعد ذلك من آثار سلبية على قابلية جلب الربح لقطاع التصدير عندما يعود إلى العمل. و تنشأ الآثار الاجتماعية بسبب التغير السلوكي لبعض السكان في المنطقة المستهدفة عندما يحصلون بطريق الصدفة على العملة الصعبة، على حين تظل الأغلبية الساحقة من السكان محرومة.
رابعاً الميزانية الوطنية :
على الرغم من أن كل المساعدة هي عبارة عن منقولات، فإن وكالات الإغاثة تغفل في معظم الأحيان الآثار المستقبلية على ميزانية البلد المضيف. فالمانحون يركزون أولاً على المشروعات التي تجذب انتباه وسائل الإعلام على حساب المشروعات غير المصحوبة بضجيج إعلامي رغم أهميتها وضرورة تنفيذها والإنفاق عليها. و يؤدي هذا غالباً إلى تنفيذ العديد من المشروعات ذات الكلفة العالية التي لا طائل من ورائها، مثل المستشفيات والمدارس التي لا يستفاد منها بشكل كامل، والتي لم يؤخذ في الاعتبار بشكل دقيق فيها، على سبيل المثال ، جانب الرواتب المستمرة. ثانياً، وهو الأهم، لا يوجد لبعض المشروعات الدولية استراتيجية مالية مستمرة، أي عندما تقدر تكلفة تشغيلها أو مدة بقائها في العمل بأقل من الحقيقة. فهي تضيف هكذا وببساطة المزيد من الأعباء إلى التكلفة المتكررة التي ينبغي تحميلها على الميزانية الوطنية في سنوات مقبلة.
خامساً سوق العمل :
إضافة إلى تفاقم أوضاع نماذج التوظيف غير المتكافئة، تستقطب الوكالات الدولية العاملين في السوق المحلية إلى أفرقة العمل بها عن طريق عرض رواتب تبلغ عادة ضعف أو أكثر من ضعف ما يحصلون عليه، و يكون لذلك ثلاثة آثار على هيكل الرواتب في سوق العمل. فأولاً، يؤدي ذلك إلى "استنزاف داخلي للعقول" التي تتجه نحو قطاع الإغاثة الذي نشأ في الآونة الأخيرة. ثانياً ، يؤدي هذا بدوره إلى حدوث نتائج غير متوقعة ومُضْعِفة لقدرات العاملين في القطاع العام في ذلك الوقت، وبخاصة بين المشاركين في تقديم خدمات ضرورية كالصحة والتعليم. وثالثاً، يمكن أن يبدأ سباق لرفع رواتب العاملين المحليين بين الوكالات الدولية التي يحاول كل منها أن يحتفظ لديه بأفضل العقول. كما تظهر مشاكل مماثلة عندما يطلب العاملون المحليون تعويضاً مبالغاً فيه عند تسريحهم من العمل في نهاية برنامج معين.
سادساً القطاع غير الرسمي / الاقتصاد الموازي :
عندما يتعرض بلد لحالة شديدة من عدم الاستقرار، فإن القطاع غير الرسمي يكون أول من يعطي إشارات عن بدء انتعاش جديد. وعندما تعرف المزايا التي تحصل عليها وكالات الإغاثة على المدى القريب من نظام التعاقد من الباطن الذي يمكن القول عنه بأنه القطاع الوحيد الذي يعمل بكفاءة في قطاع الاقتصاد، يمكن أن يظهر على المدى البعيد عائقان للإعمار الوطني. أولا، عن طريق تنشيط اقتصاد "الظل" ، أو الموازي ، الذي يدفع القليل من الضرائب أو لاً يدفع، مما يؤدي إلى خفض موارد الدخل الرسمي في المستقبل، والمساعدة في تفاقم مشكلة السيولة النقدية التقليدية للحكومة الناشئة. وثانيا، يتحول كل ما يتوفر من رأس المال المحلي الشحيح من قطاع الاستثمار الإنتاجي في السلع الأساسية إلى أنشطة القطاع الثالث التي تُوجه بصورة مطلقة تقريبا نحو تقديم الخدمات المربحة للجماعة الدولية.
سابعا : الفساد
على الرغم من أنه لا يمكن لأي وكالة إغاثة أن تقضي وحدها على الفساد, فإن المدى الذي يصل إليه تورط الوكالات يعتمد على الدرجة التي يصل إليها الإذعان لممارسات الفساد. ومن هذه الممارسات على سبيل المثال : قبول ضوابط اقتصادية غير متشددة ; القبول بإساءة استخدام الأموال أو اقتراحات بمشروع واضح المبالغة في قيمته, قبول مستويات تالفة للغاية من السلع التي أُدخِلَت, التسامح مع كميات معينة من السرقات البسيطة , تجاهل وجود دعارة منظمة في المخيمات, التعاون في رعاية هذه الأمور لصالح هدوء الأحوال, وقبول فرض رسوم داخلية غير شرعية على غذاء المساعدات إلخ... وكل ذلك يدخل في نطاق أمثلة التعايش مع الفساد والإضافة إليه أيضاً. وقد اعتمدت بعض الوكالات الأكثر تشدداً نهجا ذا شعبتين: أولا, القبول فقط بمستوى معين من تقديم الإكراميات (نحو 10%) وثانياً, إدراج مساعدات السفارات المانحة في حسابات البلد المضيف لتمارس ضغطاً على الحكومة لوقف الأشكال الفاضحة من إساءة الاستعمال
يعد الفساد مرضاً مستوطناً في كل حالات الأزمات. ورغم أن التعامل مع هذه المشكلة أمر بالغ الصعوبة إلا أنه يجب بذل بعض الجهود البديهية لسببين :أولهما عندما يصل الفساد إلى قطاع الإغاثة وترتفع بشكل ملموس أسعار الصفقات، إضافة إلى المعرفة التي تبعث على التقزز بأن عائدات هذه الرسوم غير الرسمية لن يدخل خزانة الدولة. ثانياً يغرس الفساد الصارخ شعوراً بالغربة في نفس المواطن العادي. وحتى إذا لم يؤثر هذا الاستياء على المجتمع الدولي، فإنه ينبغي على هذا الأخير القيام بشيء ملموس حياله.
ثامنا : التواطؤ أو تحالفات للمصالح
لما كانت الوكالات الإنسانية تُعد قناة تدخل من خلالها الأموال القادمة من الخارج، يلقى وجودها واستمرارها تشجيعاً من سلطات البلد المضيف والقطاع التجاري الخاص (سواء كان أجنبياً أو محلياً). وتنشأ " ثقافة العقود". وعندما تبدأ وكالات الإغاثة الأجنبية في العمل، يكون موقفها في المساومة ضعيفا؛ ويرجع ذلك جزئيا إلى ضعف قدرتها التفاوضية ؛ وجزئيا إلى أن المنظمات غير الحكومية لا تستطيع الامتداد إلا بتصميم مشروعات قابلة للحياة بذاتها، وبالتالي ضمان استمرار توظيف العاملين بالمشروعات؛ وجزئيا لأن منظمات كثيرة لا تضع مواعيد محددة مسبقا لانتهاء تدخلها.وعلى حين ما زال النقاش مفتوحاً حول ما إذا كان يلزم وجود استراتيجية واضحة لانتهاء التدخل، فإنه لا يمكن احتواء الشكل المذكور للتواطؤ إلا إذا وضعت جميع وكالات الإغاثة استراتيجية لانتهاء التدخل، وجعلتها معروفة عموما للسلطات والتزمت بها.ومن الواضح أن كل الآثار الجانبية المذكورة مترابطة مع الدينامية التي يوفرها الأثر الأول الذي تحدثه المدفوعات الخارجية الضخمة في الموارد النقدية المحلية

المطلب الرابع : أثار التدخل علي الاستقرار الاجتماعي
إن التدخل الإنساني في هذا الجانب كان أفضل حالاً من المجالات الأخري حيث تم التدخل مبكراً ولكن عبر الأمم المتحدة عبر برنامج الغذاء العالمي ومنظمة اليونسيف في إطار خطة شريان الحياة بناءاً علي إتفاقية وقعت عليها الحكومة السودانية والحركة الشعبية قبل توقيع إتفاقية السلام الشامل. ويعتبر برنامج شريان الحياة من أهم البرامج الإنسانية في السودان علي الإطلاق إذ بموجبه تمكنت الأمم المتحدة من توصيل الإغاثة والدواء لإنقاذ حياة عدد كبير من المواطنين في جنوب السودان حيث امتدت نشاط منظمتي برنامج الغذاء العالمي واليونسيف للمناطق التي تسيطر عليها الحكومة وكذلك التي تحت سيطرة الحركة الشعبية وهو عمل إنساني ضخم لا يستطيع المنصف إلا الإشادة به كما أنه لم يقتصر علي الجنوب بل إمتدت إلي جبال النوبة وفي برنامج مشابه إلي دارفور ولكن بموافقة عدد أكبر من المنظمات تنطلق من داخل السودان والبعض الآخر تنطلق من دول الجوار خاصة تشاد حيث توجد أعداد كبيرة من اللاجئين من دارفور.
علي الرغم من ذلك فإن هنالك أثار سالبة ترتبت علي وجود قوات حفظ السلام والعاملين بالمنظمات الأجنبية علي الجوانب الاجتماعية أهمها حمل بعضهم للأمراض الخطيرة كالإيدز كما حدث وسط القوات الأفريقية في دار فور وهي لا تقدح في أهمية الدور الكبير ولكن يدعو لوضع ضوابط صارمة تحول دون انتشار مثل هذه الأمراض.

المطلب الخامس : آثار التدخل علي الاستقرار الأمني
" لا شك أن تحقيق كل من الأمن الداخلي والخارجي يعد من الوظائف التقليدية للدولة والتي كان ينظر إليها فلاسفة السياسة كمهمة مركزية وكان الإعتقاد السائد لدي السياسيين الممارسين أن الواجب الإسمي للدول هو تولي هذه المهام بفاعلية وقد إرتبط مفهوم الأمن بمفهوم الخطر والتهديد فلا نستطيع تعريفه إلا في مجال داخلي ودولي محدد وبذلك فهو يمثل المحصلة النهائية لمستوي درجة التحصن لكيان الدولة في الداخل والخارج" .(1)
والتعريف المعاصر للأمن هو " الحفاظ علي منظومة القيم ضد التهديدات الداخلية والخارجية ، وتوفير أحسن الظروف للتنمية الشاملة (1)
ومع تطور مفاهيم كثيرة من بينها حقوق الإنسان أصبح التدخل الإنساني العسكري يشكل خطراً كبيراً علي أمن الدول مثل السودان ذلك لكثرة النزاعات الداخلية وعدم الثقة في نوايا الدول المتدخلة وتكمن الوظيفة الهامة للدولة- خاصة في السودان- إزاء خطر التدخل العسكري الأجنبي في تجنب حدوث أي حالات تبرر أو تفتح الباب أمام مثل هذا التدخل وهو ما يمكن تحقيقه من خلال الإلتزام بتطبيق القانون بموضوعية وشفافية علي جميع المواطنين دون تمييز وتوفير سلطة قضائية منضبطة.

المخاطر الأمنية للتدخل تتمثل في الآتي:
أولاً: هنالك مفاهيم كثيرة مرتبطة بأسباب التدخل مازالت في طور الجدل ولم تتبلور مثل الإرهاب إذ لم يعد هنالك تعريف محدد ومتفق عليه مما يفتح الباب للتدخل لدواعي واسباب مختلفة غير منضبطة .
ثانيا: ارتباط حقوق الإنسان بالمرجعيات الثقافية والدينية للمجتمعات مثل ما يتصل بحقوق المرأة مما يؤدي في بعض الأحيان فرض ثقافة المجتمع الغربي علي المجتمعات الأخري لتفاوت النظر إلي هذه المسائل بناءاً علي المرجعيات المحددة لكل مجتمع.
ثالثاً : بالممارسة العملية يصعب التفريق بين ماهو لأسباب إنسانية وماهو لصالح الدول المتدخلة.
كل هذه مخاوف تجعل السودان في وضع غير مأمون من التدخل العسكري سواء بقرار من الأمم المتحدة ومجلس الأمن أو بقرار منفرد من دولة أو مجموعة من الدول بالإضافة إلي تواجد أعداد كبيرة من القوات علي الأرض سواء في الجنوب أو جنوب كردفان أو دارفور الذي سوف يزيد عدد القوات فيه إلي 26 ألف جندي حسب آخر قرار من مجلس الأمن وهو القرار (1769) وهذه القوات بالضرورة تستخدم المعدات الفنية العسكرية ولديها حصانات من الأمم المتحدة مما يقيد حرية حركة القوات المسلحة السودانية في هذه المناطق ومجرد وجود هذه القوات لحماية المدنيين وعمال الإغاثة اعتراف بعجز الدولة عن القيام بهذا الدور الحيوي الهام.


















(1) دكتور عبد الغني بسيوني عبد الله ـــ النظم السياسية والقانون الدستوري ـــ منشأة المعارف ــــ الإسكندرية ــ 1997 ـــ ص 120 .
(2) المرجع السابق ـــ ص 124 .
(3) المرجع السابق ــــ ص 125 .

(1) ميرغني النصري ـــ مبادئ القانون الدستوري والتجربة الديمقراطية في السودان / ط 1 ـــــ 1998م ــــ ص 42 .
(2) عبد الغني عبد الله ـــ مرجع سابق ـــ ص 125 وما بعدها بتصرف .

(1) دكتور على صادق أبو هيف ـــ مرجع سابق ـــ ص 215 نقلاً عن الكتاب السنوي للجنة القانون الدولي 1985 جزء ص 73 وما بعدها .
(2) دكتور خالد حسين ـــ مرجع سابق ـــ ص 208 وما بعدها .
(1) دستور السودان الانتقالي ـــ الباب الثاني وثيقة الحقوق المادة ( 27 ) وما بعدها .
(1) دكتور محمد تركي بني سلام ـــ أزمة الدولة والمجتمع في السودان ـــ دار فور نموذجاً من موقع ( http: // www. Arabissues . net / studies / DR . mohni Bani - salameh/ azmat-Dawlah. Htm .
(2) دكتور هالة مصطفي ــ مصر المنهج الانتقائي ـــ في سياسة التدخل الأمريكي ( 3/3 /2007 ) http:/ www. Alarapalyawm. Net/ bages? Articles id = 712 .

(1) http:/ www.sudaneseonline . com / ar / article - 14667 - shtm

(1) دكتور عيسي أدم أبكر ــ ( 9 ــــــ 20 )
(2) دكتور السيد مصطفي أحمد أبو الخير ـــ مرجع سابق ــ ص 18 نقلاً عن محمد عثمان حبيب الله ـــ التطورات السياسية في السودان منذ أربعين عاماً ـــــ مجلة السياسة الدولية ــــ العدد 161 ــ يوليو 2005م ـــ ص 12 ــــ 276 .
(1) المركز السوداني للخدمات الصحفية ـــ مقال في الموقع على الأنترنت عن المنظمات الدولية العاملة في السودان ـــ ص 3 ـــwww. SMC . SD .
(1) محمد هارون كافي ـــ نراع السودان طرح إيجابي ـــ مطبعة أرو الخرطوم ط 1 ـــ 1999م ـــ 73 ـــ 74 بتصرف .
(1) أنجلو ويلو ـــ الوضع الإنساني في جبال النوبة صحيفة الصحافة ـــ النسخة الإلكترونية ــ العدد 5149 ــ ص 1

(1) محمود خالد الحاج وآخرون, دار فور الحقيقة الغائبة ـــ المركز السوداني للخدمات الصحفية ـ ط 1 اكتوبر 2004م ـــ ص ( 19 ـــ 20 ) بتصرف .
(!) دكتور عبد الله الأشعل ـــ أزمة دار فور بين محاولات التدويل وجهود التسوية ــ ط 1 ــ مركز السودان للبحوث والدراسات الإستراتيجية ـــ الخرطوم ــ 2007م ـــ
(1) دكتور السيد مصطفي أحمد أبو الخير ـــ مرجع سابق ـــ ص 38 .

(1) مفهوم التدخل الإنساني بين الزخرفة والمصالح محمد جمال باروت .
(1) ليلي حلاوة ـــ جدولية الدولة والعولمة 8/5/2005م www.isiamonline. net
(2) دكتور عبد الغني بسيوني ـــــ المرجع السابق ـــــ ص 31 .
(1) دكتور عبد الغني بسيوني ــــ المرجع السابق ص 30 ـــ بتصرف .
(1) دكتور حسن الجديد ود/ سعدي كريم ـــ التدخل الإنساني وإشكالية السيادة .
(2) القرار 1556/30/2004م ـــ 1006 SRES

(1) دكتور فتح الرحمن عبد الله الشيخ ــــــ مرجع سابق ـــــ ص 149 .
(1) مراجعة مفاهيم الحكم والإدارة ـــ من الممانعة إلي الانخراط في العالم دكتور برهان غليون http// www.mkarbat.com/bg28.htm .
(1) مراجعة مفاهيم الحكم والإدارة ـــ من الممانعة إلي الانخراط في العالم دكتور برهان غليون http// www.mkarbat.com/bg28.htm
(1) http://www.icrc.org/web/ara/sitearao.nsf/htmi/5MGEYPI
(2) http://www.icrc.org/web/ara/sitearao.nsf/htmi/5MGEYPI
(1) جمال منصر ـــ الدولة ـــ العولمة ومفهوم الأمن ـــ مدونات مكتوب على الإنترنت ــ 10 أغسطس 2007م ـــ ص 1
(1) آثار تفكك الاتحاد السوفيتي على أمن الأمة الإسلامية ط (1) ــ 1994 ـــ دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع مصر ــ ص 23 لواء أركان حرب دكتور فوزي محمد طايل .

ليست هناك تعليقات: